نتنياهو ومحاولات توظيف مصطلح التهديد الوجودي في إدارة الصراع
يستخدم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مصطلح التهديد الوجودي عند حديثه عن صراعه مع الشعب الفلسطيني أو أية دولة أو جهة في المنطقة، ويأتي هذا الاستخدام كأداة استراتيجية مركزية في خطابه السياسي والأمني، ويهدف من وراء ذلك محاولة تشكيل الوعي الإسرائيلي وخاصة بعد السابع من أكتوبر إضافة إلى إدارة هذه الصراعات، واستخدم نتنياهو هذا التوظيف في محاولة لتبرير حروبه متعددة الجبهات في قطاع غزة، ولبنان، وإيران، وسوريا.
يشكل مصطلح التهديد الوجودي أحد المحركات الأساسية للصراع بين الجماعات والدول، وتتحدد من خلاله المواقف بين الحرب والسلام، ويتجلى التهديد في الخوف الفردي من الموت، والقلق الجماعي على بقاء الجماعة واستمراريتها، ما يدفع نحو انصهار الفرد بالجماعة في موقف موحد تجاه الصراع، وغالبا ما يكون موقفا متطرفا يغذي الصراع ولا يميل نحو تسويات سلمية، وهو يضرب على وتر القلق الجماعي بل والاضطهاد التاريخي للجماعة، فالجماعات التي تحمل موروثا من المعاناة تميل إلى تفسير التهديدات الراهنة من خلال هذا الموروث وهو ما يعمل على تغذيته نتنياهو من خلال استخدامه المتكرر لهذا المصطلح في خطاباته وتصريحاته وربطها بأحداث تاريخية عاشها اليهود على مر العصور.
والسؤال الأساسي هنا هو: لماذا يستخدم نتنياهو مصطلح التهديد الوجودي في صراعاته في المنطقة؟ وما هي الأهداف والدوافع التي تدفعه نحو هذا الاستخدام؟
يعمل نتنياهو من خلال هذا الاستخدام على إضفاء الشرعية على حروبه المستمرة، وتحويل الصراع من نزاع سياسي أو أمني تقليدي إلى معركة بقاء، في محاولة لتهميش مبررات المعارضة الداخلية وخلق إجماع داخلي على هذه الحروب، ومحاولة لتشكيل الوعي لدى المجتمع الإسرائيلي بأنه محاط بالأعداء، ما يدفع الجميع نحو التوحد تحت قيادته وتجاوز الانقسامات الداخلية، وصولا إلى تكريسه قائدا سياسيا ووطنيا. ويساهم استخدام نتنياهو لمصطلح التهديد الوجودي في رسم صورة النصر وبقائه السياسي، ومن خلال ذلك يبرز نتنياهو في صورة منقذ إسرائيل من الزوال، في محاولة لإعادة تأهيل صورته السياسية والهروب من تهم الفساد والمسؤولية عن الإخفاقات المختلفة. كما يعمل من خلال ذلك على ضمان الدعم الدولي وعلى الدعم الأمريكي بشكل خاص عبر إظهار التهديد كخطر لا يقتصر على إسرائيل بل على الغرب، مما يسهّل الحصول على الدعم العسكري والسياسي، ويبرر حرب الإبادة والتدمير الشامل لقطاع غزة ولبنان، ورفض أي تسوية لا تتضمن القضاء النهائي على ما يدعي أنها أخطار تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل.
إن الخطاب السياسي الذي تتضمنه تصريحات نتنياهو يعكس تداخلا بين الأبعاد المادية والرمزية للتهديد، ويعيد تعريف الأمن بوصفه حالة دائمة من المواجهة، ويسمح بإبقاء المجال السياسي في حالة تعبئة مستمرة، حتى في غياب خطر حقيقي ومباشر، بهذا المعنى يصبح التهديد الوجودي أداة تفسيرية وسياسية لإنتاج الإجماع الداخلي الإسرائيلي، وتبرير السياسات الأمنية، وتوجيه الرأي العام نحو خياراته في إزالة هذا التهديد والالتفاف حوله كقائد وبطل وطني.
د. باسم خضر التميمي
دكتوراه في العلوم السياسية