ارتفاع نسبة الميل للانتحار
الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الشعب العربي الفلسطيني بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، رغم وحشيتها النازية، وآثارها الكارثية على المجتمع الفلسطيني، الا أن ارتداداتها على الإسرائيليين كانت عميقة، وأنتجت وضاعفت من أزمات المجتمع الاستعماري في طبقاته وفئاته وشرائحه الاجتماعية كافة، وتركت ندوبا سوداء راهنا ومستقبلا على مستقبل دولة المرتزقة الإسرائيلية اللقيطة، التي ولدت وهي تحمل عوامل فنائها، كونها تتكون من مجموعات بشرية طارئة، لا علاقة لها بالأرض الفلسطينية، ولا تاريخها وموروثها الحضاري، واكتشاف الغالبية منها زيف الرواية الصهيونية، وحجم التضليل الهائل عن "ارض الميعاد" و"المن والسلوى" وخزعبلات واساطير الحركة الصهيونية ودولة الإبادة المنتجة للحروب والإرهاب والويلات على مدار عقودها الثمانية الماضية تقريبا، حيث لم تعش عاما من اعوامها ال 78 دون أزمات وحروب، فلم يحصلوا على "المن والسلوى" ولا على الاستقرار النسبي، وكل ما جصدوه باليمين من دول الغرب الرأسمالي لخدمة أهدافها في الوطن العربي، وعلى حساب نكبة الشعب الفلسطيني، فقدوه باليسار بسبب دورة العنف والإرهاب والجريمة المنظمة المتوالية التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ومن بين الازمات القديمة الجديدة والمتصاعدة في أوساط المجتمع الإسرائيلي، ارتفاع نسبة الميل للانتحار عموما، وفي أوساط الطلاب خصوصا، الذي كشفته دراسة اكاديمية مؤخرا، شملت أكثر من 700 طالب وطالبة جامعية، معظمهم على تماس مباشر بالحرب من خلال الخدمة العسكرية، وتبين أن أكثر من ثلث الطلاب الجامعيين تراودهم أفكار الانتحار. ووفقا لصحيفة "يسرائيل هيوم" أول أمس الاثنين 4 أيار / مايو الحالي (2026)، فإن الأيام الطويلة في صفوف الاحتياط بالجيش الإسرائيلي "زلزلت عوالم" الطلاب، وذلك بسبب الابتعاد عن البيت والأصدقاء، والتعرض لمشاهد صعبة ومعقدة ووحشية في ساحة الحرب الأطول في تاريخ الدولة الإسرائيلية اللقيطة، والخوف من الإصابة، الى جانب شعورهم بأنهم "منسيون" من قبل المستويين السياسي والعسكري، مما عمق الازمات النفسية لدى المئات والالاف منهم.
ووفقا للواقع المعطي الجديد الخطير على مستقبل الجيل الحالي والاجيال اللاحقة، فإن الدراسة سيتم طرح مخرجاتها في المؤتمر العلمي السنوي لبحث مسألة الانتحار، حيث أفاد 39,4% من الطلاب والطالبات الجامعيين أنهم يعانون من أعراض اكتئاب حادة، بينما صرح 33,8% عن أفكار انتحارية نشطة بدرجات متفاوتة، مما يشي الى تدهور ملحوظ في الحالة النفسية للطلاب منذ اندلاع الإبادة بعد 7 أكتوبر 2023. وتعتبر هذه النسب الأعلى من المعدلات العالمية المقبولة، التي تتراوح نسبتها خارج إسرائيل بين 20 و25%، في حين تبلغ نسبة الذين يفكرون في الانتحار بين 18 و24%، حسب الدراسة ذاتها.
وأضافت الصحيفة الإسرائيلية، أن الدراسة تابعت الطلاب قبل وبعد الحرب الهمجية، ووجدت زيادة كبيرة في أعراض الاكتئاب، ويؤكد الباحثون أن "عوامل الخطر المركزية للضيق النفسي والأفكار الانتحارية السوداوية، ومن بينها الاكتئاب والقلق والتوتر واضطرابات النوم، تتفاعل هذه الفترة بحدة أكبر في اوساطهم، وذلك على خلفية استمرارية الحرب، لا بل الحروب، وخدمة الاحتياط والخشية على الذات والعائلة على حد سواء، وغياب اليقين الاقتصادي والأمني." وقال البروفيسور سامي حمدان، المشرف على الدراسة "نحن لا نرى هنا مجرد ارتفاع في الأرقام، بل تغيرا عميقا في الحالة النفسية لجيل كامل." وأضاف "يعيش الطلاب في إسرائيل منذ فترة طويلة تحت ضغط مستمر بسبب التهديد الأمني، وخدمة الاحتياط، والضغوط الاقتصادية والأكاديمية، ولم تتمكن المنظومة بعد من ردم هذه الفجوة" وتابع حمدان منبها الى أن "المعطيات تستوجب تحركا فوريا، وتوسيع خدمات الدعم النفسي في الحرم الجامعي، والكشف المبكر عن الضيق النفسي، والاستثمار في برامج وقائية محددة الأهداف." وحذر المشرف حمدان من أن عدم اتخاذ هذه الخطوات سوف يؤدي الى "تجذر التداعيات النفسية."
في ضوء الدراسة ومخرجاتها، وارتباطا بسمات وخصائص دولة اسبارطة الصهيونية، التي ولدت من رحم الإرهاب والحرب والابادة للآخر الفلسطيني، وأهدافها الاستعمارية التوسعية، من الصعب أن تتمكن عوامل الدعم كافة للطلاب من إنقاذهم من الرغبة بالانتحار، لعدم اليقين الاقتصادي والأكاديمي والأمني، ليس هذا فحسب، بل غياب وانتفاء اليقين ببقاء الدولة، في حال استمرت مسكونة بالحروب والاطماع التوسعية، ورفضها السلام والتعايش مع الشعب الفلسطيني وشعوب الامة العربية. الامر الذي يتطلب من القيادة السياسية الإسرائيلية مراجعة تاريخية لسيرورة نهجها الاجرامي، لأن ارتفاع نسبة الميل للانتحار، لا يطال الطلاب والطالبات، انما يستهدف المجتمع الإسرائيلي بمكوناته كافة، وبالتالي لا مستقبل للدولة اللقيطة الا بالتوجه نحو السلام والالتزام بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي طردوا وشردوا منها، وإسقاط خيار الحرب من برنامجها السياسي والعسكري وهذا مستحيل في ظل القيادات السياسية والعسكرية الأمنية والحزبية الصهيونية، الا إذا توقفت الامبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض الفيتو، وسمحت بمساءلة إسرائيل وفرض العقوبات المختلفة عليها، والزامها بخيار السلام والتعايش.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com