ملخص قراءة نقدية لاستراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب 2026: حين تصبح السياسة عقيدة

2026-05-07 19:42:39

مقدمة

في مايو 2026، أصدر البيت الأبيض وثيقة "الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب"، وهي وثيقة تستحق قراءة نقدية متأنية لا لما تُعلنه، بل لما تُخفيه؛ إذ تنطوي على رؤية لإعادة تعريف الإرهاب ذاته بما يُوسّع نطاقه ليشمل خصوم الإدارة السياسيين، وتُشرعن تدخلات عسكرية خارج الأطر القانونية الدولية المستقرة، وتُرسي نموذجاً للشراكة الأمنية الدولية المشروطة بالتوافق الأيديولوجي لا بالمصالح المشتركة.

التحليل:

أولاً: توسيع تعريف الإرهاب - السلاح المزدوج:

تُحدّد الوثيقة ثلاثة أصناف من التهديدات الإرهابية: الكارتلات وعصابات المخدرات، والجماعات الإسلامية الجهادية، و"المتطرفون العنيفون من اليسار" بما فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية. وهذا التصنيف الثلاثي يحمل إشكالية منهجية عميقة؛ فإدراج منظمات المخدرات والحركات السياسية الداخلية في خانة الإرهاب الدولي يمنح الإدارة صلاحيات استثنائية تتجاوز الأطر القانونية المعتادة لمكافحة الجريمة المنظمة أو التعامل مع المعارضة السياسية الداخلية. والأخطر أن الوثيقة تُصنّف "المتطرفين من اليسار" ضمن أولويات الاستهداف الأمني، وهو توسيع لمفهوم الإرهاب يتيح توجيه أدوات الأمن القومي نحو جماعات احتجاجية ومعارضة سياسية داخلية، وهو مسار يتعارض مع مبادئ الحرية المدنية التي تزعم الوثيقة الدفاع عنها.

ثانياً: الحرب على إيران - التشريع بأثر رجعي:

تُدرج الوثيقة عمليتي "المطرقة في منتصف الليل" و"الغضب الملحمي" ضمن إطار مكافحة الإرهاب، وهو تأطير يخدم غرضاً مزدوجاً: إضفاء الشرعية على الحرب بوصفها دفاعاً استباقياً لا هجوماً، وتعقيد أي مسار دبلوماسي مستقبلي مع طهران. بيد أن إدراج دولة ذات سيادة في خانة "الراعي الأول للإرهاب" واستخدام هذا التصنيف مسوّغاً للعمليات العسكرية يُشكّل سابقة خطيرة؛ إذ يُفضي إلى إسقاط الفوارق القانونية الدولية بين الحرب ومكافحة الإرهاب، وإلى منح الرئيس صلاحيات حرب غير محدودة تحت مسمى "العمليات الحركية لمكافحة الإرهاب"، بعيداً عن الرقابة التشريعية التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب.

ثالثاً: مبدأ مونرو بحلة جديدة - "مبدأ ترامب":

تُصرّح الوثيقة صراحةً بأن "مبدأ ترامب" هو النسخة المحدّثة من مبدأ مونرو، وتُجسّده عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بوصفه نموذجاً. وهذا التأطير يستحق وقفة؛ فاعتقال رئيس دولة ذات سيادة من قبل قوات أجنبية لا يُعدّ عملية إنفاذ قانون، بل ضرباً من العدوان السافر وفق القانون الدولي. وتكريس هذا النموذج في وثيقة استراتيجية رسمية يُعلن أن الولايات المتحدة باتت تعتبر نصف الكرة الغربي ساحة نفوذ خالصة تُجيز فيها التدخل العسكري متى رأت مصلحةً في ذلك، بصرف النظر عن سيادة الدول وموازين القانون الدولي.

رابعاً: أوروبا - من الشراكة إلى التوجيه:

تتضمن الوثيقة ما يمكن وصفه بـ"خطاب التأديب" الموجّه لأوروبا؛ إذ تُحمّلها مسؤولية تحوّلها إلى "بيئة خصبة للإرهاب" بسبب سياسات الهجرة وما تُسميه "المُثُل العولمية". وتشترط الوثيقة للتعاون الأمني مع أوروبا أن تُجري "محادثات صريحة حول الإسلام السياسي"، وهو اشتراط يحمل في طياته ضغطاً على سياسات الاندماج والتعددية الثقافية الأوروبية ويُعيد تأطير هذه السياسات خطراً أمنياً. وهذا التحول من الشراكة إلى التوجيه يُمثّل تصدّعاً في العلاقة الأطلسية يتجاوز الخلافات السياسية المعتادة.

خامساً: الفنتانيل سلاح دمار شامل - ابتكار بلا ضوابط:

من أكثر ما يلفت في الوثيقة تصنيف الفنتانيل "سلاح دمار شامل"، وهو ابتكار مفاهيمي لا سابق له في وثائق الاستراتيجية الأمنية الأمريكية. وإذا كان الهدف الظاهر منع تدفق المخدرات فإن الأثر القانوني لهذا التصنيف يمتد أبعد بكثير؛ إذ يُتيح توجيه عمليات عسكرية وعقوبات اقتصادية واستهدافاً سيبرانياً ضد الصين والمكسيك وغيرهما بموجب صلاحيات مكافحة الإرهاب، بدلاً من الأطر التجارية أو الدبلوماسية التي تستوجب توافقاً دولياً أوسع.

خلاصة:

تكشف استراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب 2026 عن منطق يقوم على ثلاثة مرتكزات: 

1. توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل كل من يُصنّفه الرئيس خصماً، واستخدام أدوات مكافحة الإرهاب ذريعةً للتدخل العسكري خارج الضوابط القانونية الدولية، وتحويل الشراكة الأمنية الدولية من علاقة مبنية على المصالح المشتركة إلى أداة ضغط مشروطة بالتوافق الأيديولوجي.

2. ما ينبغي لصانع القرار الإقليمي والدولي استحضاره هو أن هذه الوثيقة ليست وصفاً للتهديدات بل أداة لتشكيل البيئة الاستراتيجية بما يخدم أجندة الإدارة. فمن يُدرجه الأمريكيون في سجل الإرهاب ليس حكماً موضوعياً، بل خياراً سياسياً. وحين تتحول مكافحة الإرهاب من أداة أمنية إلى عقيدة سياسية، فإن أول ضحاياها هو المصداقية الدولية للولايات المتحدة ذاتها.

المصدر:

صدرت هذه الاستراتيجية رسمياً عن البيت الأبيض في السادس من مايو 2026، وهي متاحة للباحثين والمهتمين بصيغة PDF على الرابط الرسمي التالي: اضغط هنا