المؤتمرُ الثامنُ لحركةِ فتح بينَ تطبيقِ النِّظامِ ومواجهةِ التَّحدّياتِ

2026-05-08 12:10:01

في اللحظات المفصلية من تاريخ الحركات الوطنية، يُقاس نجاح مؤتمراتها بمدى قدرة هذه المؤتمرات على إعادة إنتاج الثقة الداخلية وترسيخ الشرعية التنظيمية على أسس واضحة وعادلة، فالمؤتمرات ليست محطات إجرائية دورية بقدر ما هي اختبارات حقيقية لمدى التزام الحركة بنظامها الداخلي، وقدرتها على تحويل هذا النظام إلى ممارسة حيّة تنظم العلاقة بين القيادة والقواعد، لا إلى نص يُستدعى عند الحاجة ويُهمَّش عند الاختلافاضافة الى الحفاظ على برنامجها السياسي الذي يتماشى مع التطورات ويلبي طموحات الشعب.

مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، يتصاعد النقاش داخل الأطر التنظيمية حول آليات اختيار الاعضاء ودور اللجنة التحضيرية ،غالبية الاعضاء تاتي بهم مواقعهم التنظيمية بنسبة قد تصل الى 60%بينما تستطيع اللجنة التحضيرية التحكم في 40% وان بنسب متفاوته ،اعضاء اللجنة مسؤولي مفوضيات وبامكانهم اختيار جزء ممن يمثلون تلك المفوضيات ،اضافة الى التحكم ببند الكفاءات ،في تجاوز واضح للمعايير في بعض الاحيان ، هذا النقاش لا يمكن التعامل معه كجدل إجرائي محدود، لأنه يمسّ في العمق مسألة الشرعية الداخلية، وحدود المشاركة، ومعنى الشراكة التنظيمية داخل حركة تأسست على فكرة التعدد لا الاحتكار.

فالنظام الداخلي للحركة، في روحه العامة، يقوم على اعتبار المؤتمر العام السلطة التنظيمية العليا والمرجعية التي تُشتق منها شرعية الهيئات القيادية المختلفة، ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول آليات اختيار الاعضاء لا يمكن اعتباره تفصيلًا إداريًا، بل مسألة تمسّ جوهر البناء التنظيمي نفسه، ودرجة الالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص وضمان التمثيل العادل للأطر الحركية.

صحيح أن اللجنة المركزية، بحكم موقعها القيادي، تضطلع بدور الإشراف على التحضير للمؤتمر ومتابعة أعمال اللجنة التحضيرية، وأن المواد الناظمة تمنحها صلاحيات واسعة في إدارة العملية التنظيمية، إلا أن هذا الدور يفترض أن يبقى ضمن إطار الإشراف العام، لا أن يتحول إلى تأثير مباشر في تشكيل الهيئة الناخبة، خصوصًا عندما تتقاطع مواقع الإشراف مع احتمالات الترشح أو التنافس على مواقع قيادية داخل المؤتمر نفسه.

وهنا تبرز إشكالية تضارب المصالح ،ليس كاتهام سياسي، بل كسؤال تنظيمي مشروع يرتبط بروح النظام الداخلي ومقاصده، التي تقوم على منع احتكار القرار وضمان العدالة الداخلية، وحتى في غياب نص صريح يمنع ذلك، يبقى المعيار الحاسم هو مدى انسجام الإجراءات مع فلسفة الشراكة والتمثيل العادل، لا مجرد صحتها الشكلية.

وفي هذا السياق، يصبح من الطبيعي بل ومن الضروري طرح فكرة تعزيز الرقابة الداخلية داخل المؤتمر نفسه، عبر تشكيل لجنة خاصة تتولى دراسة الشكاوى والاعتراضات المتعلقة بالعضوية والتمثيل والإجراءات التحضيرية، فوجود مثل هذه اللجنة لا يُضعف المؤتمر ولا يشكك فيه، بل يعزز شرعيته، لأنه ينقل الاعتراضات إلى داخل الإطار المؤسسي بدل بقائها خارجه.

هذا النوع من الآليات يعكس فهمًا أعمق للنظام الداخلي، باعتباره ليس فقط مجموعة مواد تنظيمية، بل منظومة تهدف إلى حماية الثقة الداخلية وتحصين الشراكة التنظيمية، فالمؤتمر الذي لا يملك أدوات داخلية للمراجعة والمساءلة يبقى عرضة لفقدان جزء من شرعيته المعنوية، حتى لو كان مكتملًا من الناحية الشكلية.

ومن هنا، يصبح الحديث عن الإصلاح الداخلي ليس ترفًا تنظيميًا أو شعارًا سياسيًا، بل ضرورة فرضتها طبيعة النقاشات الدائرة حول المؤتمر، فالإصلاح لا يعني إعادة تشكيل الأشخاص أو المواقع، بل إعادة ضبط العلاقة بين النص التنظيمي وممارسته، وبين مبدأ الشراكة وآليات تطبيقه، وبين دور القيادة وحق القاعدة في المشاركة الفعلية.

وفي هذا السياق، تبرز جملة من المسائل التي يمكن اعتبارها جزءًا من أي مقاربة إصلاحية جدية، مثل الفصل الواضح بين الإشراف على المؤتمر والترشح للمواقع القيادية، واعتماد معايير شفافة ومعلنة للعضوية والتمثيل، وتعزيز دور الأطر التنظيمية في اختيار مرشحيها للهيئات القيادية، وتفعيل الرقابة الداخلية بشكل مؤسسي، وضمان نشر المعايير مسبقًا بما يحقق تكافؤ الفرص.

هذه العناوين لا تستهدف أشخاصًا بعينهم، بل تعالج خللًا بنيويًا محتملًا في أي عملية تنظيمية كبيرة، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بإعادة إنتاج القيادة داخل الحركة، ولا يمكن فصل ذلك عن فكرة المراجعة بين المؤتمرات، لأن نجاح أي مؤتمر لا يُقاس فقط بانعقاده أو بمخرجاته، بل بقدرته على فتح مرحلة جديدة من التقييم المستمر للأداء التنظيمي والسياسي، فغياب المراجعة الدورية يؤدي إلى تراكم الاختلالات بدل تصحيحها، ويضعف قدرة الحركة على التجدد والاستجابة للتحولات بكل اشكالها على المستويات كافة،داخليا،وطنيا،اقليمياو دوليا.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل متطلبات المؤتمر الداخلية عن طبيعة المرحلة السياسية التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني، إذ إن أي مخرجات تنظيمية يجب الا تكتفي بمعالجة الشأن الداخلي، بل يُفترض أن تكون قادرة على التفاعل مع الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، فالعالم اليوم لا يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا ثابتًا، بل كقضية تتأثر مباشرة بتوازنات القوى والتحولات في المواقف الدولية وإعادة تشكيل أولويات النظام العالمي.

ومن هنا، يصبح نجاح المؤتمر مرتبطًا بمدى قدرته على إنتاج رؤية سياسية وتنظيمية تأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات، وتترجمها إلى سياسات واقعية ومرنة دون التفريط بالثوابت الوطنية، فالمؤتمر ليس حدثًا داخليًا مغلقًا، بل محطة إعادة تموضع سياسي وتنظيمي يفترض أن تعكس مخرجاته قدرة الحركة على التكيف مع البيئة الدولية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ثبات الهدف الوطني.

وبهذا المعنى، فإن ربط البعد التنظيمي بالبعد الدولي لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة المرحلة، حيث تتداخل أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتصبح القدرة على التحرك في هذه الساحات جزءًا أساسيًا من فعالية أي مشروع وطني.

وفي هذا الإطار، فإن أي حديث عن مخرجات المؤتمر لا يكتمل دون ربطه بهدف وطني أشمل يتمثل في إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني القائم على تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، وتجسيد دولته المستقلة على أرضه.

وهذا الهدف يرتبط برؤية استراتيجية متكاملة تقوم على أربع ركائز مترابطة: إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي مشروع تحرري، وتكريس وحدة الأرض والشعب كقاعدة سياسية ووطنية لا يمكن تجاوزها، واستكمال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية على أسس مهنية وديمقراطية قادرة على إدارة الواقع الوطني بكفاءة وشفافية، واعتماد استراتيجية نضال وطني شاملة ومستدامة، تتكامل فيها الأدوات الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية، بما يشمل خوض معركة سياسية ودبلوماسية نشطة على المستوى الدولي بهدف عزل الاحتلال وإجباره على إنهاء وجوده على أرض دولة فلسطين وفق قرارات الشرعية الدولية.

غير أن هذه الأهداف تبقى منقوصة إذا لم تُربط بوظيفة أساسية للمؤتمر نفسه، تتمثل في تصويب الأخطاء وتطوير الإيجابيات، وإعادة تقييم المسار التنظيمي والسياسي للحركة. فالمؤتمر ليس فقط لإنتاج قيادة، بل لإعادة فحص المسار كله.

كما أن من أهم مهمات المؤتمر في هذه المرحلة العمل استعادة جمهور الحركة الذي تآكل تدريجيًا بفعل عوامل موضوعية فرضتها الظروف السياسية، وأخرى ذاتية ارتبطت بالأداء الداخلي وتراجع القدرة على التجديد، فإعادة بناء الثقة مع القاعدة الشعبية لا تقل أهمية عن أي استحقاق تنظيمي آخر،مطلوب اضافة الى كل ما سبق تلمس احتياجات الجمهور والعمل على توفيرها.

في النهاية، فإن مؤتمر فتح الثامن ليس مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل اختبار حقيقي لقدرة الحركة على الجمع بين شرعية النظام وضرورات الإصلاح، وبين تجديد بنيتها التنظيمية وحماية هدفها الوطني الأوسع،فالقوة الحقيقية لأي حركة وطنية لا تكمن في إدارة التوازنات فقط، بل في قدرتها على تحويل المؤتمرات إلى لحظات تصحيح وتجديد واستعادة للحيوية، لا إلى إعادة إنتاج للواقع القائم، والتاكيد على أن يبقى المشروع الوطني هو البوصلة النهائية لكل المخرجات والاستراتيجيات.

كلمة الختام بالضرورة فيها كل الامنيات بان يكون المؤتمر الثامن مؤتمرا ناجحا بكل المقايس ،فحذاري من العبث بحركة الشعب الفلسطين ،حذاري من المتربصين بالمؤتمر وعلى راسهم الاحتلال وادواته،كل التوفيق في اختيار الاقدر والاكفأ على قيادة المرحلة.