ماراثون فلسطين الدولي
اليوم، لم يكن ماراثون فلسطين الدولي مجرد سباق ركض… بل كان مشهداً فلسطينياً كاملاً يمشي على قدميه بين الفرح والتعب والذاكرة والانتماء.
منذ اللحظات الأولى للانطلاقة، كان واضحاً أن الأمر أكبر من أرقام ومسافات وميداليات. غزة اون لاين، العدّ التنازلي، أصوات التشجيع، الأعلام الفلسطينية، العائلات، الأطفال، المتطوعون، والمئات من الوجوه التي جاءت فقط لتقول إنها ما زالت تؤمن بالحياة رغم كل شيء. شعرت للحظة أن المدينة كلها تتحرك بروح واحدة، وأن بيت لحم استعادت اليوم شيئاً من بهجتها القديمة.
بالنسبة لي، كان أجمل ما في اليوم تلك الوجوه التي التقيتها صدفة بعد سنوات طويلة منذ أيام العمل ؛ وجوه مرّت سريعاً لكنها أعادت دفئاً قديماً وذكّرتني بأن الزمن، مهما فرّق الناس، يبقى قادراً على جمعهم في لحظة صادقة تحت سماء مدينة يحبونها جميعاً.
تابعت البدايات، الحماس، الانطلاقات، تعب المشاركين، ضحكات الأطفال، وملامح الناس وهي تتغيّر بين أول السباق وآخره. كثيرون لم يكونوا عدّائين محترفين أصلاً، وبعضهم ربما لم يركض منذ سنوات، لكنهم قرروا فجأة أن يشاركوا، أن يمشوا، أن يتعبوا قليلاً فقط لأن المناسبة تستحق. ولهذا كان المشهد بعد انتهاء السباقات مؤثراً وجميلاً في الوقت نفسه… الجميع تقريباً عاد منهكاً، كثيرون يعرجون من شدّ العضلات والتعب، لكن حتى هذا العرج بدا جميلاً. كان عرجاً يشبه وساماً صغيراً دفعه الناس ثمناً للانتماء لهذا اليوم، لهذه المدينة، ولهذه الروح الفلسطينية الجماعية التي حاولت أن تصنع مساحة فرح حقيقية وسط كل التعب الذي يحيط بنا.
وأكثر ما احترمته اليوم المشاركون من كبار السن و أولئك الذين جاؤوا مع أشخاص من ذوي الإعاقة، رافقوهم بمحبة وصبر وكرامة، وتحملوا معهم مشقة الحركة والزحام والسفر. كانت لحظات إنسانية عميقة تقول إن الرياضة ليست فقط منافسة، بل أيضاً تضامن وشعور بالآخر.
والأطفال كانوا نجوم المشهد بطريقتهم الخاصة. كانوا يركضون، يضحكون، يصورون، يلوّحون بالأعلام، ويعيشون لحظات ستبقى في ذاكرتهم طويلاً. ربما هذا أهم ما في مثل هذه الأيام: أنها تمنح الناس، ولو لساعات قليلة، شعوراً بأن الحياة ما زالت ممكنة، وأن الفرح ليس ترفاً بل حاجة إنسانية ووطنية أيضاً.
وطبعاً، طالما أنني في بيت لحم، كان لا بد من المرور قرب كنيسة المهد، احتراماً لهذا المكان الذي بقي عبر القرون مساحة لقاء وسلام وصلاة وذاكرة إنسانية مفتوحة للجميع.
عدت اليوم متعباً قليلاً، لكن ممتلئاً بالمشاهد والوجوه والأفكار. التقطت صوراً كثيرة وجميلة، بعضها يوثّق التعب، وبعضها يوثّق الفرح، وبعضها ببساطة يوثّق الناس كما هم: حقيقيين، بسطاء، ومليئين بالحياة رغم كل شيء.
الحمد لله على يومٍ جميل…يوم ركضت فيه بيت لحم كلها تقريباً، ليس فقط بالأقدام، بل بالقلب أيضاً والاهم كانت غزة معنا صوتا وقلبا وقالبا