ما دام في القلب يقين… فلا مستحيل يهزمك..
في هذا العالم الذي تتكاثر فيه العواصف كما تتكاثر الغيوم السوداء قبل المطر، يبقى الإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يحمل في قلبه مصباح يقين لا تنطفئ شعلته مهما اشتدت الرياح. فالإيمان بالنفس ليس غروراً، بل هو تلك القوة الخفية التي تجعل الإنسان يقف بعد كل سقوط، ويبتسم بعد كل خيبة، ويُعيد ترميم روحه بيديه كما يُعيد الفجر ترميم ظلام الليل.
ما دمت تؤمن بنفسك، فاعلم أن الطرق المستحيلة ستلين تحت قدميك، وأن الأبواب التي أُغلقت يوماً ستُفتح في الوقت الذي يريده الله لك، لا في الوقت الذي تريده أنت. فبعض الأمنيات تتأخر لأنها تُصقل بالصبر، وبعض الأحلام تتعثر لأنها تُبنى لتكون أعظم مما تخيلنا. الإنسان الذي يحمل يقيناً بالله لا تهزمه الحياة، لأنه يعلم أن خلف كل وجع حكمة، وخلف كل تأخير عطاء، وخلف كل دمعة فرحاً مؤجلاً ينتظر لحظة الميلاد.
كن على يقين أن الحياة ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي بحرٌ واسع، تتقاذفك أمواجه يوماً، وتهدأ لك يوماً آخر، لكن الناجين هم أولئك الذين تعلّموا كيف يصنعون من ألواح الانكسار سفناً للنجاة. لذلك لا تخف من الفشل، فالفشل ليس النهاية، بل هو معلم قاسٍ يمنحك دروساً لا تمنحها النجاحات السهلة. كم من إنسان ظن أن حلمه انتهى عند أول سقوط، ولو أنه صبر قليلاً لرأى أن الله كان يهيئ له طريقاً أعظم وأجمل.
قل دائماً لنفسك: "أنا لها"، لأن الكلمات التي نزرعها داخل أرواحنا تنبت واقعاً نعيشه. الأرواح تُقاد بما تؤمن به، والأقدار كثيراً ما تبدأ من أفواه أصحابها. لذلك لا تُكثر من الشكوى، ولا تجعل لسانك مأوى للهزيمة، بل عطّره بالحمد، واملأه بالدعاء، واجعله نافذةً يمرّ منها النور إلى قلبك. فالكلمة الطيبة ليست مجرد حروف، بل هي صدقة خفية، وشفاءٌ للأرواح، ومطرٌ ينهمر على قلوب أنهكها العطش.
وإذا لم تجد طريقاً يقودك إلى حلمك، فاصنع أنت الطريق. كن كالنهر الذي لا توقفه الصخور، بل يلتف حولها ويواصل الجريان حتى يصل إلى البحر. لا تنتظر أن يمنحك العالم فرصة، بل اصنع فرصتك بيديك، بعلمك، بصبرك، بإصرارك، وبإيمانك أن الله لا يضيع تعب الساعين إليه. الأحلام العظيمة لا تأتي إلى الكسالى، بل إلى أولئك الذين يسهرون على أهدافهم كما تسهر الأم على طفلها المريض، يخافون عليها، ويحمونها، ويؤمنون بأنها ستكبر يوماً وتصبح حقيقة.
ولا تسمح لأحد أن يُطفئ وهجك الداخلي. انسحب من كل ما يؤذيك، من كل علاقة تستنزف روحك، ومن كل مكان يُشعرك أنك أقل مما أنت عليه. فبعض البشر يشبهون الظلال الثقيلة، كلما اقتربوا من أرواحنا سرقوا منها الضوء. كن أنت، لا نسخة باهتة تُرضي الآخرين. حافظ على قلبك كما يحافظ المسافر على آخر قطرة ماء في صحراء قاحلة، لأن سلامك النفسي أثمن من كل المعارك التي لا تستحق خوضها.
ولا تلتفت كثيراً إلى الماضي، فالماضي محطة نتعلم منها لا وطن نسكنه. هناك أشخاص يظلون أسرى لذكرياتهم حتى يضيع منهم المستقبل وهم ينظرون خلفهم. الحياة لا تعود إلى الوراء، والزهور لا تتفتح في الحدائق اليابسة، لذلك انظر دائماً أمامك، إلى الغد، إلى الأحلام القادمة، إلى النسخة الأقوى منك التي تنتظرك بعد كل تعب.
وما أجمل الإنسان حين يحقق حلماً ثم لا يتوقف، بل يصنع حلماً جديداً، لأن الأرواح الحية لا تشيخ بالأعمار بل تتجدد بالأمل. اجعل طموحك كسماءٍ لا حدود لها، وكُن كالشمس التي تغيب لتعود أكثر إشراقاً، لا كشمعة تنطفئ مع أول ريح.
واعلم جيداً أن الله يختبر عباده الصابرين، وأن الدعاء لا يضيع، وأن الطرق التي نظنها مغلقة قد يفتحها الله بلحظة واحدة. هناك معجزات تأتي بعد طول انتظار، وهناك أبواب تُفتح لأن قلباً لم يتوقف عن الدعاء. الله يحب العبد اللحوح، الذي يطرق باب السماء كل يوم، مؤمناً أن خزائن الله لا تنفد، وأن رحمته أوسع من كل خيبة.
لذلك، تفاءلوا بالخير تجدوه، واسعوا للحياة بقلوب بيضاء، واملؤوا أرواحكم بذكر الله، وبالكلمة الجميلة، وبالرحمة، وبالحب، فالدنيا متعبة بما يكفي، فلا تكونوا عبئاً على بعضكم، بل كونوا كالغيم أينما مرّ ترك مطراً، وكالعطر مهما ابتعد مصدره يبقى أثره طيباً في المكان.
اللهم امنحنا قلوباً لا تُهزم، وأرواحاً لا تنطفئ، وأحلاماً لا تموت، وصبراً يليق بعظيم عطائك.
اللهم سعادة تُزهر في أرواحنا، ونجاحاً يليق بتعبنا، وصحة لا يرهقها الألم، وحباً صادقاً، وأشخاصاً لا تهون عليهم قلوبنا.
اللهم قوة حين تضعف أرواحنا، ونوراً حين تظلم الطرق، وأملاً يبقى مزروعاً فينا مهما تعبت الأيام.
فما دام في القلب نبض، وفي الروح دعاء، وفي النفس يقين بالله… فاعلم أن القادم أجمل بإذن الله.