أثر الممارسات البشرية على تآكل الحياة البرية في فلسطين

2009-09-07 20:16:00

رايه نيوز: كتب سعد داغر- تأثرت الحياة البرية الحيوانية (وغير الحيوانية) في فلسطين وتتأثر بالتغييرات الكبيرة التي بدأت تطرأ منذ بداية القرن العشرين، وما زالت تحدث تغييرات جوهرية ذات أثر بعيد المدى على البيئة الفلسطينية.

وكانت الحيوانات البرية في الماضي كثيرة العدد في فلسطين، كما هو الحال في إقليم البحر المتوسط؛ غير أن بعضها كالأسد والثور الوحش وحمار الوحش والفيل قد انقرض وأصبح غير موجود في المنطقة. ومن الحيوانات المنقرضة في فلسطين أيضاً فرس النهر ووحيد القرن والضبع المرقط وغيرها (اشتية وحمد،1995).

لقد انتشر الصيد، ودخلت الأساليب الزراعية الحديثة، وترافقت هذه الأساليب مع إدخال الكيماويات الزراعية بمختلف أنواعها واستعمالاتها، كالمبيدات الحشرية والفطرية ومبيدات الأعشاب، بالإضافة إلى الأسمدة الكيماوية. ومن جهة أخرى حصلت زيادة كبيرة في عدد السكان ترافقت مع حركة بناء واسعة طالت الأراضي الزراعية، وترافقت مع شق وتعبيد الطرق، وغيرها من التغييرات التي طالت كافة نوحي الحياة في فلسطين. فكيف أثرت الممارسات البشرية على الحيوانات البرية؟

أولاً: الصيد العشوائي

ظاهرة الصيد ليست جديدة، فهي كانت موجودة على مر العصور، وازدادت انتشاراً مع تطور وسائل الصيد. لم يكن الصيد في الماضي يهدد الحياة البرية كما هو الحال اليوم، حيث تنتشر بنادق الصيد والشباك التي تصطاد أعداداً كبيرة من الطيور في المرة الوحدة، وأنواع الأدوية المخدرة التي تستخدم في تخدير الطيور ومن ثم صيدها. وما ينطبق على الطيور ينطبق أيضاً على الأسماك، بل وفي كثير من الأحيان يتم التعامل مع صيد الأسماك بوحشية أكبر.

كانت فلسطين وحتى بدايات القرن العشرين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن هناك قوانين خاصة تُطبق لتنظيم عملية الصيد؛ وبقي الوضع على حاله في ظل الاستعمار البريطاني رغم إصدار قانون ينظم الصيد، إلا أنه لم يكن فعالاً ولم يجرِ تطبيقه، مما أدى إلى اختفاء حيوانات فقارية وبشكل خاص بعض الثدييات والطيور. ومن الحيوانات التي اختفت نتيجة لذلك المها العربية، حمار الوحش (الأخدر السوري)، الفهد، والنمر، والنعام. وقد كان للرعي الجائر وإزالة الغابات والصيد دور مهم في تناقص أعداد الغزلان، التي تشكل فرائس مهمة للفهد مما أدى لانقراضه.

لقد أدى الصيد إلى انقراض شبه كامل للسلاحف الخضراء والسلاحف البحرية كبيرة الرأس، التي كانت تعشش على طول الشواطئ الرملية للبحر المتوسط. ففي الفترة الممتدة بين 1920-1930 تم قتل حوالي 30,000 سلحفاة، وعثر في العام 1985 على طول الساحل الفلسطيني للبحر الأبيض المتوسط على 14 عشاً فقط لهذه السلاحف (اشتية وحمد، 1995).

ثانياً: تدمير البيئة الطبيعية للحيوانات

أدى التطور العمراني والصناعي، والتغيير في الأساليب الزراعية، والقضاء على الغابات الطبيعية وإنشاء الغابات الصناعية، إلى إلحاق ضرر كبير بالبيئات الطبيعية للحيوانات البرية؛ مما قلل من أعداد الكثير من الحيوانات وانقراض بعضها.

ثالثاً: قطع المسارات الطبيعية للحيوانات البرية

عمد الاحتلال منذ البدء إلى شق الطرق لخدمة بنيته العسكرية ومستوطناته، وقد تميزت هذه الطرق بتخريبها للبيئة الفلسطينية بمختلف عناصرها، ومن ذلك تخريب الممرات البيئية التي اعتادت الحيوانات البرية سلوكها منذ آلاف السنين من خلال حفر الجبال لأعماق كبيرة في أثناء شق الطرق، وتعريض حياة الحيوانات للخطر في أثناء قطعها للطرق في تنقلاتها الطبيعية؛ فكثيراً ما تُشاهد الحيوانات البرية مقتولة على الطرق دهساً، كالقنافذ والسلاحف والأفاعي، وكذلك النسناس والسنجاب وغيرها. كما أدى شق الطرق بالطريقة التي يتبعها الاحتلال إلى تدمير مواطن الحيوانات البرية وأماكن الأعشاش وتوالد الحيوانات والطيور، مما أحدث خللاً في أعدادها وهدد بقاءها.

وقد لعبت المستعمرات اليهودية دوراً مهماً في حرمان الحيوانات البرية من مَواطنها التي استوطنتها عبر تاريخ طويل، وذلك من خلال التجريف الواسع للأراضي وتسييج محيط المستعمرات وبناء الأسوار حولها، التي أَخَلَّتْ أيضاً بالممرات الطبيعية للحيوانات إضافة لحرمانها من مواطنها الطبيعية.

رابعاً: الزراعة

أثرت الممارسات الزراعية الخاطئة على الحيوانات البرية بأشكال مختلفة، وأدت إلى تناقص خطير في بعض الحالات، بينما أدت في حالات أخرى إلى زيادة كبيرة في أعداد أنواع مختلفة من الحيوانات.

يعتبر دخول الكيماويات الزراعية واحداً من الأسباب المهمة، التي أدت إلى انقراض الحيوانات، وهي تعد من أشد الأخطار التي تهدد الحيوانات البرية وتؤدي إلى خفض أعداد الطيور والأسماك والحشرات (ومنها النافعة، كالحشرات المفترسة، وتلك التي تلقح أزهار النباتات).

وقد أدت طريقة الحرث باستخدام الجرارات الثقيلة والحرث العميق إلى التأثير السلبي على بعض أنواع الحيوانات التي تعيش داخل الأرض من زواحف وثدييات صغيرة، وكذلك التأثير على بعض الطيور وتدمير الأعشاش التي تبنيها على سطح التربة.

وبينما تناقصت أو انقرضت أنواع معينة بسبب الممارسات الزراعية، نجد أن أنواعاً أخرى ازدادت أعدادها لتتحول إلى آفات بسبب توافر الغذاء الناتج عن الزراعة على مدار العام، كالغزال الجبلي الذي ازدادت أعداده ليتحول إلى مشكلة، وكذلك الشنار. كما ازدادت أعداد أنواع أخرى مثل عصفور الدوري واليمام المطوق والحمام البري بسبب تربية الحيوانات في زرائب مفتوحة، وتوافر الغذاء فيها باستمرار.

خامساً: النفايات الصلبة

تنتشر النفايات بطريقة عشوائية حول الكثير من التجمعات السكانية، مُوَفِرةً بذلك الغذاء للحيوانات القَمّامَة التي انتفعت بهذا المصدر الغذائي كبعض أنواع الغربان. وقد أدى ازدياد هذه الأنواع إلى التأثير السلبي على أنواع أخرى كالرخمة المصرية التي تهاجمها الغربان وطيور أبو زريق.

أمثلة على حيوانات انقرضت وأخرى مهددة بالانقراض:

فُقد الكثير من الحيوانات التي كانت حتى وقت قريب موجودة في فلسطين والمنطقة المحيطة (سوريا، لبنان، الأردن) لأسباب متعددة كما ذكر سابقاً؛ حيث كان للممارسات البشرية الأثر الأكبر في انقراض تلك الأنواع من الحيوانات. ومن الأمثلة على الحيوانات (ثدييات، طيور، زواحف) التي اختفت: الأيل الأسمر، المها العربية، الدب السوري، الفهد (الشيتا)، النمر ، النعام. وقد أصبحت بعض الأنواع من الطيور إما نادرة أو نادرة جداً، مثل: الرخمة المصرية، الحدأة السوداء، النسر الأسمر، صقر الجراد، العوسق الصغير. وهناك بعض الطيور أصبحت منقرضة أو أن مجتمعاتها قلت إلى درجة قليلة جداً، مثل: العقاب المرقط، العقاب الأسود، العقاب أبيض الذيل، النسر الملتحي.