هل كان المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس خلف عملية إنتحار فرنسوا أبو سالم؟؟

2011-10-03 14:34:00


 
رام الله – 3 تشرين أول 2011- خاص ب (شبكة راية الإعلامية):

 

تحقيق توفيق العيسى:

 

لم يعد خافيا أن انتحار المخرج المسرحي فرنسوا ابو سالم يجسد حالة وصل إليها الفنان الفلسطيني من التهميش والإهمال وعدائية بعض القائمين على الشأن الفني والمسرحي له.

في مسرح عشتار بمدينة رام الله كان الخلاف، اجتمع عدد من الفنانين والمهتمين بالشأن بالمسرحي وأصدقاء الراحل فرانسوا لاجراء الترتيبات اللازمة لتشييعه ونعيه، وما أن انتهوا من صياغة بيان الحركة المسرحية حتى دب الخلاف بينهم وانقسموا إلى فريقين.

بداية اتفقوا جميعا على فتح بيت عزاء للراحل في مسرح عشتار بميدنة رام الله، ومن ثم اختلفوا على فتح بيت العزاء في مسرح الحكواتي بالقدس، حيث اعترض بعض اصدقاء الراحل والذين عملوا معه وكانوا الأقرب إليه في الفترة الأخيرة على جعل الحكواتي مقرا لتشييعه أو تجمع رمزي لاستقبال المعزيين.

لماذا؟!

" مسرح الحكواتي لم يحترم فرنسوا حيا، ليكون لهم شرف استقبال معزييه واصدقاءه" هكذا رد فريق الرفض، ويضيف موسى إزحيمان وهو أحد أصدقاء الراحل " العلاقة بين الحكواتي وفرنسوا هي علاقة شائكة، ولا أبالغ حين أقول أن الحكواتي كاد العداء لفرنسوا".

فرنسوا أبو سالم هو أحد مؤسسي الحركة المسرحية الفلسطينية، وقد ساهم في تأسيس عدد من الفرق المسرحية منذ بداية السبعينيات من بينها فرقة الحكواتي في العام 1977، والذي أسس لها مقر الفرقة المعروف باسم المسرح الوطني – الحكواتي في القدس، في العام 1984، حيث كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على مأسسة الفن الفلسطيني، وترسخ في الذاكرة اسم فرنسوا بالمسرح الوطني – الحكواتي، وكان يعرف بإسمه.

عانى فرنسوا ولفترات طويلة من عدة مشاكل يشتبك فيها الخاص بالعام والابداعي بالشخصي بالسياسي، وكلها عوامل أدت إلى أن يأخذ قرار الانتحار، منهيا حياته بعد 60 عاما من النضال الفني، ويرى الكثير من أصدقاءه والمقربين منه ان لقصته مع الحكواتي أثر كبير على نفسيته، وإن لم يكن السبب الرئيس إلا أنه من أهم الأسباب.

عمل فرنسوا على بناء الحكواتي وكما يقولون بناه بيديه، إلا أن " بيته الأول" الذي بناه لم يعد ملكه، عبر استحواذ البعض عليه وتجييره لحساباتهم الشخصية، منع فرنسوا من العمل في الحكواتي عبر وضع الاشتراطات التعجيزية أمامه، وأصبح بحاجة إلى إذن لدخول " بيته" ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه إلى سوء ادارة القائمين عليه واستغلالهم له وحرمانه والكثيرين من الفنانين من الاستفادة منه ليس كمبنى فقط ، ولكن كمؤسسة لها علاقاتها ومواردها أيضا، الأمر الذي انعكس سلبا على نفسية فرنسوا.

ومن هنا نتعرف إلى النقد الدائم للحكواتي من قبل فناني القدس والداخل المحتل عام 1948، ورفض اصدقاءه فتح بيت العزاء في الحكواتي أو حتى أن يكون تجمعا رمزيا لروح فرنسوا داخل مقر الحكواتي، ورأى البعض ضرورة الانتظار لقراءة وصيته خوفا من أن يكون قد أوصى بعدم فتح بيت عزاء في الحكواتي.

 

عوامل أثرت عليه

وعن علاقة فرنسوا بالحكواتي يقول موسى إزحيمان: " عوامل كثيرة ساهمت في ارباك فرنسوا أدت به إلى قرار الانتحار في هذا المرة والمرة الاولى قبل عام في ألمانيا، الضربة الأولى التي تلقاها فرنسوا هي انتاج مسرحية جلجامش في باريس ما بين عامي 2002 و 2003، تعرضت تجربة جلجامش للفشل وأدى به الأمر الى خسارة فريقه المسرحي الذين تخلوا عنه بعد فشل التجربة، فقد عمل لسنوات لانجاز هذه التجربة وانتهت هذه التجربة قبل افتتاح العرض، بعد هذه التجربة استعاد فرنسوا حيويته بعد اخراج جلجامش في القدس التي كانت رئتيه والمحور المركزي في حياته وفنه، مع الفنان عامر خليل وكان بدعم من والدته، التي تعتبر هي الراعية الفنية له، الا أنه، وفي القدس،عاد إلى المنغصات والمشاكل وكان أهمها عدم عرض مسرحية جلجامش في المسرح الوطني، المسرح الوطني – الحكواتي الذي كان دائما ما يضع العوائق أمام فرنسوا، وكأنه يقول له: لا أريدك هنا، فالمسرح اذا كان يتقاضى على العرض 1000 شيكل مثلا كان يطلب من فرنسوا 3000 شيكل، ومورست ألاعيب كثيرة لمنع فرنسوا من دخول المسرح، وكان فرنسوا من أكثر الناس الذين رفضوا مقاطعة المسرح الوطني رغم كل ذلك.

الفنان عامر خليل يرى بأن فرنسوا كان يشعر بالوحدة وبالعزلة من كل المسرحيين، ويرى بان فرنسوا عوقب في السنوات الأخيرة من قبل الحركة المسرحية وترك وحيدا، فلقد كان دائما مشاكسا ومختلفا وهذا ما خلق نفور بينه وبين الآخرين، وعن علاقته بالحكواتي يقول خليل : " فرنسوا لم يكن يهتم بالمبان والحجارة، كان يهتم بالأشخاص وينتمي لهم، فأسس فرقة الحكواتي الجديد، لأنه كان مجددا لا يقف عند نقطة واحدة، كون فرقته الجديدة من الأشخاص الذين لم يتخلوا عنه واحبوه وفهموه".

اما الفنانة بيان شبيب فترى، أن عدة عوامل تضافرت في داخل فرنسوا، احباط عام من الوضع العام في فلسطين وفي الحركة المسرحية " المقيدة" وترى أن حساسية فرنسوا تجاه الوضع العام قد يكون قد خلق داخله الاحساس بالاحباط واليأس وعدم تمكنه من خلق المسرح الذي يحلم به ويتمناه.

 

ألمانيا والمحاولة الأولى

عاش فرنسوا في عزلة تامة ولمدة سنة تقريبا قبل محاولته الأولى للانتحار، غادر بعدها إلى ألمانيا، هناك وقبل أن يعود إلى رام الله ب12ساعة قرر الانتحار عبر تناوله كمية كبيرة من أدوية المهدأة  للأعصاب، وعن أسباب هذه المحاولة يقول ازحيمان: " في المرة الأولى كان مبرره عدم رغبته بالعودة إلى رام الله، ففي آخر مرة كان قد غادر القدس إلى رام الله وظل فيها لمدة سنة تقريبا بعد أن لم يتمكن من الحياة في القدس بسبب تكلفتها المادية العالية والتي لم يتمكن من تغطية نفقات العيش فيها، اضافة إلى الملاحقة الاسرائيلية الدائمة له باعتباره ليس مواطنا ولا يمتلك هوية تخوله للبقاء، فكان عليه أن يغادر القدس في كل مرة لتجديد الفيزا، فأصبحت القدس مكلفة كثيرا له، وتزامن ذلك مع الهجوم الذي كان يتعرض له من قبل المؤسسات المسرحية  بلا استثناء، ومن قبل الذين كانوا دائما يعتبرونه فرنسيا وليس فلسطينيا، مما دفعه للعيش بوحدة تامة لمدة سنة، في ألمانيا عندما كنت اتحدث اليه كان الحوار يتركز حول عزلته برام الله، وهذا ما صرح به عن أنها من أسباب اقدامه على الانتحار في المرة الاولى".


سائق الجرافة يكتشف الجثة

عاش فرنسوا حياته في المسرح وعندما مات كان موته فلما سينمائيا، حين اكتشف سائق الجرافة الجثة بجانب بناية قيد الانشاء في حي الطيرة بمدينة رام الله، لم يتخيل أن هذه الجثة تعود لشخص قرر انهاء حياته، ظن للوهلة الأولى أنه من جلب الجثة إلى موقع الحدث.

في اللحظة التي أنهى فيها فرنسوا حياته، كان سائق الجرافة يمارس عمله الاعتيادي، في نقل أكوام التراب " الطمم" عبر جرافته إلى مكان الحدث الذي هو البناية، ومن دون ادراك اختلطت جغرافية المكان والتفاصيل ببعضها البعض، مما غطى جزء من جسد فرنسوا بالرمل، وأثناء تقليبه للرمل ظهرت الجثة أمامه، ليعتقد انها جاءت معه ولم تكن موجودة اصلا في المكان، ليسارع إلى ابلاغ الشرطة.


فرنسوا يقرر الانتحار

نعتمد في هذا الجزء من القصة على رواية كل من الفنانين عامر خليل وخالد الحوراني صديقيه وجاريه

خليل في ذلك اليوم جاء لزيارة فرنسوا في بيته لتهنئة بسلامة الوصول من ألمانيا، ولمعرفته المسبقة بوضعه النفسي المضطرب ومن خلال اتصاله به قبل الحادث بوقت قصير.

وصل خليل إلى البيت وقرع الجرس مرارا وعندما لم يجبه حاول الاتصال به أكثر من مرة، أثناء ذلك سمع صوت من داخل البيت يصرخ، وكان صوت صديقته " باولا" التي كانت تتحدث معه عبر جهاز السكايب، وحينما استطاع ان يميز صوتها او ربما من خلال معرفته أنه يحادثها عبر السكايب أثناء إصاله به، ذهب خليل الى بيت صديقه وجاره خالد الحوراني ليحادث " باولا"، التي أخبرتهم بقرار فرنسوا الانتحار الذي صرح به أثناء حديثه معها، وغادر البيت على مرأى منها، وهو مصمم على ذلك.

 

الأدلة الجنائية الأولى لا تثبت ذلك

بعد اكتشاف الجثة وسماع الافادات الأولى من خليل والحوراني، عاينت الشرطة بيت فرنسوا للتعرف على أي دليل، ليجدوا بيتا مرتبا حديثا، وفواكه طازجة أخرجت حديثا من الثلاجة، وأطعمة تدل على أنه كان يعد الطعام، طارحة أسئلة عدة حول اذا ما كان الحادث انتحارا ام قتل، واذا كان انتحارا فمتى اتخذ القرار؟.

فالطريقة التي وجد بها البيت لا تدل على أن صاحبه يفكر بالانتحار، فكل ما في البيت يدل على أن كان لديه استعداد لمواصلة الحياة.

ومن ضمن الامور التي وجدت في بيته ورقة كتبت بالفرنسية يعتقد أنها وصيته، وقد يكون قد كتب فيها ما يشير إلى كيف ولماذا ومتى أخذ القرار.

 

حوار الانتحار

اذا ما سمحنا لنفسنا بالاستنتاج، سنجد قرار الانتحار – وإن كان في نيته مسبقا- إلا أنه اتخذ أثناء الحوار مع صديقته " باولا" وليس قبل ذلك.

فكما يشير أصدقاءه الذين تحدثوا معها أنه كان مضطربا ومتوترا ويعاني من حالة اكتئاب، ولعل نقاشه معها في تفاصيل كثيرة حرضه إلى أن يتخذ القرار وينفذه فورا، فما طبيعة الحوار الذي جرى بينهما؟

 

الأصدقاء في حالة ترقب وشك

حين عرف الصديقان بنية الانتحار، لم يصدقا ولم يكذبا، فمن جهة يبدو أن قرار الانتحار لم يكن مستغربا عند كثير من أصدقاءه، خاصة أنه حاول الأمر قبل ذلك، ومن جهة أخرى يبدو أنهم تعودوا سماع هذه الكلمة منه.

ومع ذلك ظل الاثنان يبحثان عنه في الحي، بعدما ذهبوا الى بيته وبحثوا بجوار البناية التي يسكنها، وكانا يراقبان البنايات العالية والتي قد تكون احداهن هي المرشحة لأن يلي بنفسه منها كما قال الحوراني.

 

 

 

البناية وسيلة للانتحار، لماذا؟!

من هذه الكلمة نعرف أن قرار الانتحار كان مقرونا لديه بالقاء نفسه من بناية عالية، ولعله صرح بهذه النية والوسيلة معا، ولكن لماذا اختار فرنسوا بناية أخرى غير البناية التي يسكنها لينتحر؟!

نستطيع أن نستخلص عدة أمور، أن فرنسوا قرر الانتحار ولم يحدد الوقت، كانت وسيلته بالانتحار اذا ما أقدم عليه هي السقوط من بناية عالية، اتخذ قرار التنفيذ أثناء حواره مع " باولا".

وعلى ضوء ما ذكر يكون سبب اختياره لبناية لا يسكنها لسببين:

أولا: أن تكون البناية عالية حتى يضمن الموت ونجاح المحاولة لذا اختار بناية اعلى من التي يسكنها.

ثانيا: أن كل من سيعرف بقراره سيحاول البحث عنه في البناية التي يسكنها ولن يخطر ببالهم أنه سينتحر من بناية أخرى، وكانت هذه عملية تضليل لأصدقاءه، وحتى يضمن ربما أن لا ينقذه أحد اذا ما سقط ولم يمت.

فقد كان قرار نافذا ولم يكن ليقبل بنهايات الأفلام السعيدة.

 

التعرف على الجثة

حين تعب الصديقين من البحث، قررا العودة إلى بيت الحوراني، ليظلا قبالة بيت فرنسوا في ترقب لعودته، وظلا يراقبان شباك البيت الذي لم تظهر منه سوى اضاءة شاشة جهاز الكمبيوتر، عله اذا ما عاد سيضيء النور فيعرفان بعودته ويطمئنان إلى ان ما قالته " باولا" مجرد كلام.

ظل الترقب سيد الموقف، حتى قررا أن يسيرا بالحي برفقة أبناء خالد، عند ذلك شاهدا تجمع للشرطة وللأمن عند احدى البنايات في الحي، فاعتقدا أن شيئا ما حدث له علاقة بفرنسوا.

وحين علما ان الشرطة عثرت على جثة مجهولة ذهبا للتعرف عليها، وكان فرنسوا ميتا.


أسباب الانتحار

لن يكون سببا واحدا هو ما دفع فرنسوا أبو سالم للاقدام على الانتحار، فهي عدة أسباب مجتمعة، وما بين المرة الأولى والثانية، كانت فلسطين والبحث عن الهوية والقدس، وعلاقته مع الحكواتي (المسرح الوطني)  هي من أهم أسباب توتره، اضافة لسعيه الفني لخلق بيئة فنية مسرحية أفضل.

فرنسوا ينحدرمن أب مجري وأم فرنسية، انتدبا من قبل الحكومة الفرنسية في العام 1949 لتأسيس المستشفى الفرنسي ببيت لحم ومن ثم القدس، التي ولد بها فرنسوا وعاش حياته بها.

الوالد الطبيب حضر الى فلسطين في مهمة انسانية، انحاز لانسانيته فقرر البقاء في فلسطين متضامنا مع القضية الفلسطينية وعدالتها، وبعد احتلال العام 1967 كان له نشاطا سياسيا تعرض على أثرها للمضايقة من قبل الاحتلال الاسرائيلي، حتى ألقي القبض عليه يجري عملية لأحد الفدائيين الفلسطينيين بعد اشتباك بينه وبين الاحتلال.

وعن حواره مع " باولا" يقول ازحيمان : " أنه كان مكتئبا مما وصلت اليه القضية الفلسطينية، وأن فلسطين لم تعد لنا، وأن الاحتلال لن يزول، وعلى الرغم من كون فرنسوا ممن آمن بالعملية السلمية في البدايات وعمل على تعزيز المفاهيم السلمية إلا انه وصل إلى نتيجة أن لا سلام مع الاحتلال، ووصل إلى سؤال وجودي عن من هو؟ هل هو فلسطيني أم فرنسي، نتيجة اليأس الذي وصل له".

ومع وجود بعض التأكيدات أحيانا واستخدامنا للتحقيق الظني والاستنتاجي  بخصوص الأسباب الحقيقية التي دفعت هذا الفنان إلى الانتحار، وعلاقة ذلك بالمشهد المسرحي الفلسطيني، إلا أن الجميع يؤكد على أن الحقيقة الكاملة تكمن في الوصية التي تركها، وفي الورقة المكتوبة بالفرنسية التي وجدت على مكتبه، والتي تصر الشرطة على عدم الادلاء بأية تفاصيل عنها إلا بحضور أهل الفقيد، ليتسلموا كل ما يتعلق به والتقرير الرسمي حول وفاته.