فلسطينيون يتذكرون مطار القدس الدولي
القدس - شبكة راية الإعلامية:
محمود عوض الله:
يحكى أنه كان لفلسطين مطار في القدس ولكنه صار الآن كومة دمار، بعد التخريب والإهمال من جيش الاحتلال طيلة فترة انتفاضة الأقصى الثانية، وبعد إعلان "بلدية القدس" مخططها تحويل مدرجات ومرافق المطار إلى منطقة صناعية استيطانية، ومع اكتمال الجدار الفاصل الملتف ما بين قرية ومخيم قلنديا، سيصبح المطار بعيد المنال عن الدولة الفلسطينية المرتقبة، وسيكون من الصعوبة على أهالي قرية قلنديا التي احتضنت المطار فوق أراضيها رؤية أطلال مدرجات ومرافق مطارهم الذي تربطهم به ذكريات حافلة ومتجذرة.
يقول الأستاذ المتقاعد عفيف عوض الله (71عاما) أن المطار تم إنشاؤه عام 1920 من قبل الانتداب البريطاني، وتمت توسعته في عهد الحكم الأردني لفلسطين ، وأصبح بإمكان الطائرات المتوسطة الهبوط فيه، وفي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي تم إنشاء مبنى مرفق بمقصورة ملكية لاستقبال القادمين وتوديع المغادرين وعمل في بنائه العديد من عمال القرية، كما تم تدشين مركز بريد في نفس الفترة استفاد منه أهالي القرية والمناطق المجاورة.
مشاتل على حافة المدرج
الحاجة "أم محمود" حمد(80عاما) تتحدث عن أجمل ذكرياتها عندما كانت تزرع أرضها بجانب مدرج المطار على أزيز أصوات محركات الطائرات التي كان بعضها ذات لون ابيض وأخرى ذات لون رمادي، وتقول أنها صعدت على برج المطار عدة مرات عندما كانت تستقبل أقاربها الذين كانوا يعودون من الحج أو من عمان، مشيرة إلى أن العديد من أهالي القرية عملوا في المطار خصوصا في مخفر الشرطة ومركز البريد وقاعة الاستقبال والمغادرة، وكان الموظفين الذين يعملون في القاعة يلبسون بدلات ذات لون كحلي، فيما يلبس الموظفين العسكريين بدلات قريبة من اللون "الكاكي".
ويتذكر عفيف عوض الله أنه كلما كان يغادر أخوه للدراسة في إيران ويعود، كان هو والأهل يقومون بتوديعه واستقباله في صالة المطار وذلك بفضل أن المطار لا يبعد عن بيتهم سوى200 مترتقريبا، ويتابع كنت ألاحظ الكثير من القادمين يقومون بتقبيل الأرض عند سيرهم من الطائرة باتجاه حديقة المطار الجميلة والمليئة بالورود.
طائرات ومدارس
الحاجة بهجة عوض الله تتذكر أيام دراستها الابتدائية، عندما كانت تصطف صباحا مع زميلاتها من بنات القرية للذهاب إلى مدرسة قلنديا التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين في الجهة الشمالية من المطار، حيث كن يقطعن مدرج المطار عبر شارع يخترق المدرج للوصول إلى مدرستهن، وكان هناك شرطي أردني يغلق الشارع حال سماعه صفارة الإنذار التي تطلق من برج المطار عند إقلاع أو هبوط الطائرة.
وتتابع الحاجة بهجة، لقد كنا نشعر بالفرح والبهجة عند هبوط الطائرة أمامنا مباشرة، ونحن في طريقنا الى المدرسة، وبعد عودتنا ظهرا يتكرر الأمر ذاته، ولم نكن نخاف أو نخشى لأننا كنا واثقين دائما أنه ما لم يكن هناك صوت صافرة، فالطريق مفتوح للمرور.
ويؤكد الأستاذ عفيف عوض الله أن العديد من الرحلات كانت يوميا تغادر من المطار، وتحط فيه رحلات من بيروت وعمان والقاهرة والكويت وحتى واشنطن، لا سيما الرحلات السياحية والدينية باتجاه المدينة المقدسة ، وكانت طائرة المرحوم الملك حسين تحط فيه كلما أراد زيارة الضفة الفلسطينية لتفقد حكمه، وأقيم على مدخل المطار قوس نصر كانت تعلق عليه عبارات الترحيب بالملك وكبار الزوار الذين يأتون إلى القدس.
مع توالي المواسم تطورت الطائرات
الحاج حبيب حمدية كان يعمل في مجال حراثة الأرض موسما بعد موسم، كان يلاحظ أن الطائرات التي تهبط وتقلع من مدرج المطار تتطور ويزداد حجمها وجمالها، ففي بدايات المطار كانت الطائرات التي تحط في المطار بسيطة من ذات المحرك الواحد، ثم طائرات متوسطة تحمل مجموعة صغيرة من الركاب، ثم طائرات كبيرة من شركات طيران عربية وعالمية.
وتشير الحاجة بهجة عوض الله أن الإدارة الأردنية كانت تخطط لتوسيع المطار وتحويله إلى مطار دولي لكن اندلاع حرب عام 1967 حال دون ذلك، وتبددت أحلام القلنداويين بأن تتحول أراضيهم المحاذية للمطار إلى فنادق لاستقبال القادمين من الزوار والسياح إلى المدينة المقدسة، فقد استولت سلطات الاحتلال على المطار وجمدت العمل فيه لفترة، ثم قامت بتشغيله في نطاق رحلات داخلية فقط.
وتقول الحاجة "أم محمود" حمد التي تسكن في بيتها على بعد عشرات الأمتار من مدرج المطار، أن الاحتلال قام في مطلع الثمانينيات باستملاك جزء كبير من الأراضي الزراعية المحاذية للمطار من الجهة الجنوبية وأقام عليها مجمعا استيطانيا للصناعات الجوية، ومنع الأهالي من الوصول أو الاقتراب من هذه الأراضي التي كانوا يزرعوها بالحبوب والخضار.
دكان المطار
شوقي حسين يتذكر في طفولته عندما كان هو وأطفال القرية ينتظرون عصر كل يوم جمعة في منطقة مرتفعة في البلدة تسمى "الوعر" لمشاهدة طائرة تدريب شراعية كانت تسحبها سيارة لتقلع وتهبط في مدرجات المطار، ويقول كنا نعرف ونميز بين مختلف الطائرات التي تأتي للمطار ونطلق عليها الأسماء، كالفراشة، والكبيرة ..
ويضيف حسين "كان هناك محل تجاري أمام مدخل المطار نذهب إليه ونحن أطفال لشراء "المصاص والشوكلاته والعلكة" ونشعر بمذاق خاص فقط لأنها من المطار، كما أن وجود المطار في قريتنا جعلنا نتباهى أمام أصدقائنا من القرى المجاورة ونحن في الصفوف الابتدائية في مدرسة الجيب بوجود المطار في قريتنا".
وتتمنى الحاجة "أم محمود"حمد أن يعود المطار مطارا فلسطينيا ويرجع العمل فيه كما كان من قبل، وتعود وفود القادمين والسياح، ويعود العلم الفلسطيني مرفرفا فوق برج المطار المعطل، وهي أمنية سمعتها من كل المسنين الذين التقيتهم وسمعت ذكرياتهم عن المطار، فتذكروا وابتسموا محزونين.