أسرى ما قبل أوسلو: طال الانتظار..
راية نيوز: في أي زاوية من دار خالد أبو محسن في طوباس بالضفة الغربية، يمكن تلمس بقايا رائحة جمال، رائحة نفسه، وبقايا كلماته التي قالها قبل عشرين عاما، وبقايا ملابسه عندما كان فتى، وبقايا حسه، ويمكن أيضا تلمس كل الأمل بإطلاق سراحه من السجون الإسرائيلية، رغم حكمه بالسجن المؤبد.
وجمال الذي اعتقلته السلطات الإسرائيلية قبل سنتين من توقيع اتفاقات اوسلو التي كان من المفترض أن تفضي لقيام دولة فلسطين وإطلاق سراح كل الأسرى، واحد من 315 معتقلاً اعتقلوا ما قبل الاتفاق، ولا يزالوا يقبعون داخل السجون الإسرائيلية، منهم 114 معتقلاً أمضوا أكثر من 20 عاما في السجون الإسرائيلية، ومضى على اعتقال 14 منهم أكثر من 25 عاما، وثلاثة أسرى امضوا أكثر من ثلاثين عاما.
ويصر الفلسطينيون على إطلاق سراح كل المعتقلين في السجون الإسرائيلية كنتيجة لأي اتفاقية سلام تعقد مع الإسرائيليين، لكنهم على المدى المنظور يطالبون بتحسين ظروف اعتقال أسراهم، وتسهيل زيارتهم.
'آخر مرة زرت شقيقي قبل خمسة أشهر، قبل ذلك مضى أحد عشر عاما لم أره فيها' قال وليد شقيق جمال الموجود الآن في سجن 'هداريم' قرب تل أبيب حيث يعزل هناك قادة فصائل فلسطينية تلقوا أحكاما عالية مثل جمال الذي اتهم بقتل إسرائيلي هو وشاب آخر في العام 1991.كانت حينها عرفت تلك المرحلة من الصراع بمرحلة انتفاضة السكاكين.
وتعتبر مسألة الأسرى في السجون الإسرائيلية واحدة من أكثر القضايا تعقيدا، وتشغل الفلسطينيين قيادة ومجتمعا نظر لأنها تمس كل بيت، مثلما تعتبر هنا في بيت أبو محسن مسألة طارئة كل الوقت.
وقال جهاز الإحصاء الفلسطيني، في بيان أصدره عشية إحياء يوم الأسير الذي يصادف اليوم، إن نحو 19 آلاف فلسطيني اعتقل إدارياً منذ عام 2002، وأكثر من 7000 آلاف لا يزالون رهن الاعتقال، ثلاثة منهم أمضوا أكثر من ثلاثين عاما.
واستند جهاز الإحصاء في تقريره الذي أصدره، إلى بيانات وزارة شؤون الأسرى والمحررين التي تشير إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت منذ عام 1967 وحتى شهر آذار من العام الجاري أكثر من 760 ألف مواطن.
وهناك إشارات إلى أن قضية الأسرى أخذت تسلك طرقا خارج دائرة الاهتمام المحلي، وهناك إجراءات لحمل ملفاتها إلى محاكم دولية.
ودعا وزير شؤون الأسرى عيسى قراقع إلى خلق حراك إقليمي ودولي، كي لا تبقى قضية الأسرى محلية، مشيرا إلى أن هناك الكثير من عوامل النجاح على صعيد نقل ملف الأسرى إلى المحاكم الدولية والأمم المتحدة.
وشدد رئيس نادي الأسير قدورة فارس على ضرورة أن تتضمن أي مفاوضات تجري في المستقبل سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة موضوع الأسرى القدامي الذين مضى على وجودهم داخل المعتقلات أكثر من 20عاما.
وقال 'لا يجب ترك هذا الموضوع مرة أخرى كما حدث'.
ودائما كانت إسرائيل تضع اشتراطاتها الخاصة بما يتعلق بموصفات الأسرى الذين تطلق سراحهم، لذلك عاشت والدة جمال العشرين سنة الماضية رهينة لتغيير ما في تلك المعايير التي يرفضها الفلسطينيون.
ودرجت إسرائيل على إطلاق وصف من ترفض الإفراج عنهم بذوي' الأيدي الملطخة بالدماء'.
وشهدت الأرض الفلسطينية خلال الأسبوع الماضي مسيرات وفعاليات يقول الفلسطينيون أنها يرمون من خلالها إلى إرسال عدة رسائل، أهمها حث المجتمع الدولي على التدخل والضغط على إسرائيل لتحسين ظروف الأسرى والالتزام بالقوانين الدولية المتعلقة بالأسرى وحقوقهم.
وغالبا ما تحمل الأمهات صور أبنائهن الأسرى، وهو تقليد اعتدن على ممارسته، وفي دار أبو محسن يمكن رؤية صور ضخمة داخل الغرف لجمال، ويظهر ذلك الفتى في مراحل عمرية مختلفة من عمر قضاه داخل السجون منذ اعتقل فتى لا يتجاوز عمره الثمانية عشر عاما، لكنه الآن على أبواب الأربعين.
ومثل أي عائلة، تأمل عائلة أبو محسن خروج نجلها من السجن ضمن أي عملية لتبادل الأسرى.
وقال الأم التي شرحت كيف اعتقل الجيش في الرابع من تشرين الأول عام 1991ابنها' نحن منذ عشرين عاما ننتظر خروج جمال من السجن. نحن ننتظر الإفراج عنه منذ تلك الليلة التي حاصروا فيه المنزل واخدوه'.
لكن الأم مريم تحمل بدل الهم همين؛ فالمرأة التي أعياها التنقل في حافلات الصليب الأحمر لزيارة جمال، تزور في الوقت ذاته معتقلا آخرا تبنته واستطاعت الحصول على تصريح لزيارته كلما تزور ابنها، بعدما أبعد والداه إلى الأراضي الأردنية، ولم يتبق أحد من أقربائه الذين يسمح لهم بزيارته.
وتعمل السلطة الوطنية على التحضير لنقل ملف الأسرى إلى المحافل الدولية.
وقالت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن استمرار احتجاز الآلاف من أبناء وبنات شعبنا المناضلين من أجل الحرية والخلاص الوطني يعكس العقلية الإسرائيلية المعادية لروح السلام ومتطلباته، ويعكس السلوك الإسرائيلي المستهتر بالأعراف والاتفاقات الدولية التي ضمنت للشعب الفلسطيني حقه في الكفاح لنيل استقلاله الوطني.
وأضافت إن 'واقع الحركة الفلسطينية الأسيرة في سجون الاحتلال، وتواصل حملات التنكيل والاضطهاد والعزل التي تمارسها إسرائيل في حقهم، بما في ذلك تعريض حياتهم لخطر الموت كما حدث مع الأسير الشهيد رائد محمد أبو حماد، يتطلب حملة دولية متواصلة لحماية أسرانا وكشف وجه إسرائيل الدموي والعنصري ضد الشعب الفلسطيني ومناضليه'.