اريد بنتا

2012-09-25 08:37:00

لم أنم وأنا أراني أباً لابنة، كثيرة الأسئلة، في الصف الأول، أمشط لها شعرها في الصباح، وألبسها جوربها في ليل البرد، وتقول لي غاضبة بافتعال شهي: يا بابا خفف من وزنك، واحلق شعرك الفوضوي، وتخلَّ قليلاً عن الكتب، وابتسم كثيراً في وجه أمي حين تأتي إلى بيتنا في زيارتها السنوية لي، ثم تتسلّق بطني المتكرّش (وتمعط) شعري بكلتا يديها، فأزعم البكاء والألم.
وتواصل هي لعبة التواطؤ الجميلة، لعبة الابنة الغاضبة، والأب المهزوم، أريد بنتاً الآن الآن، حساسة مثل كاتي ابنة هيفاء، سمراء مثل زين ابنة عماد، ومفرطة الثقة بنفسها مثل سلمى ابنة وائل، وساخرة مثل هتاف ابنة مالك، وعذبة مثل سلمى ابنة غسان، وساحرة مثل غزل ابنة خليل، وفضولية مثل يمام ابنة صالح، وشفافة مثل سلمى ابنة معن، وذكية مثل شام ابنة مهند، أريد بنتاً الآن.
أفتت في صحنها قطع اللحم، وتفتت لي قلبي في صحن لثغتها، تصر على صنع القهوة لي وتناديني بإلحاح، لأرفعها قليلاً لتصل إلى مستوى عين الغاز، أجهز لها شطائر الزيت والزعتر، أراجع معها دروس اليوم، ألومها على ضعف علاماتها في العلوم، وعلى فوضى خطها في دفتر الخط، فتصفعني بقولها: "فوضى خطي تشبه شعر رأسك"، تحرجني مع المعلمات وهي تقول لهن: ليش ما تتزوجوا بابا؟ فأغضب منها وأعاقبها بعدم الكلام معها لمدة ست دقائق، وتكاد لا تمر ثلاث دقائق حتى أعود للكلام معها، فتصر هي على الست الدقائق، فأشعر أن قلبي قد توقف عن الخفقان ست دقائق، أحملها على كتفي، وأمشي بها في الشارع، تحيي هي بيديها من يمر عنها، وأحيي أنا تحيات الذين تحييهم فيما.

يشبه اعتذاراً يقبله المارة بحب وابتسام، حين تنام لا أسأم من النظر إليها، أنقّل بصري بين الكتاب الذي في يدي وبين ابتسامتها الصافية المعلقة على أوتار قلبي.

حين تغادر البيت إلى المدرسة يسبقها قلبي إلى هناك، من طريق آخر، يجلس معها على المقعد نفسه، متخذاً شكل تلميذ هادئ لا يمل من النظر إليها ويحرسها أثناء نزولها على درج الطابق الثاني خوفاً من تدافع البنات والأولاد، يعيرها الأقلام والمماحي، ويهديها دفاتر الرسم والقصص المصورة، ويقنع المعلمات إنْ نسيت عمل الواجب: "كانت مريضة والله، كانت مريضة يا معلمتي"، يقول قلبي المتنكر بهيئة تلميذ للمعلمة المتجهمة البدينة، وما أدراك أنت يا ولد؟ أنا ابن جيرانها وأبي صديق والدها.
يكذب قلبي على المعلمة، يكذب لينقذ قلبه، تبتسم ابنتي مندهشة من طيبة هذا الولد الغريب. بابا هناك ولد طيب في صفي اسمه سمير يهتم بي كثيراً ولا أدري لماذا يفعل ذلك؟.
أريد بنتاً الآن، الآن، أريد قلباً لقلبي، وجهاً لوجهي، بيتاً لبيتي قصة لحياتي