المقاومة “فعل” “جمالي” فاضح
في إحدى الأمسيات الفنية في القاهرة، وبمجرد الانتهاء من عرض فيلم «ثقافات المقاومة» Cultures of Resistance للمخرجة البرازيلية (الفلسطينية الانتماء كما تصف نفسها) إيارا لي، ضج بعض الحاضرين اعتراضاً على ما بدا لهم دعوة فنية وسينمائية منمقة للتنازل عن «المقاومة المسلحة» لصالح المقاومة بالوسائل الأقل -في نظرهم- كالفن والرسم والكلمة.
وبعيداً عن دلالات ذلك الموقف في الفضاء العام من حسم باتجاه «المقاومة المسلحة» كحق طبيعي، وهي التي شيطنها الخطاب النيوليبرالي المعولم في العقود الأخيرة، إلا أن الانجراف مع شحنة التفاؤل من ذلك الموقف، لا يجب أن يسهو بنا عن أن ذلك الموقف في ذاته مبني على الفصل بين الفكرة والفعل: فكرة المقاومة وفعل المقاومة، لصالح الاختزال أداتياً ومادياً في المقاومة «المسلحة».
ولعل في مرور ناجي العلي وغسان كنفاني، بزماننا فيما نسميه ذكراهم -وهي في الحقيقة ذكرانا- أدعى مناسبة لتفكيك العلاقة بين المقاومة كـ «فعل» مادي والمقاومة كـ «فكرة» متسامية ومتجاوزة.
فبالعودة للإنسان القديم البدائي -في صورته الأقرب ما تكون للمادية المفروضة عليه وعلى أفعاله، والمقاومة إحداها، يمكننا القول أنه ما أن أصبح «الحيوان» السائر على قائمتين إنساناً، بأن اكتشف أن الفارق بينه وبين الحيوان برغم تقاطعاتهم البيولوجية؛ هو القيمة التي يدركها الإنسان ويسعى إليها مستفيداً من ملكتين: الذاكرة والملاحظة (الشك).
ومن هنا أصبح «الفعل» -أي فعل وليس المقاوم فقط- يرتبط بأهداف تسمو فوق النشاط البيولوجي بوصفه كائناً طبيعياً، بأن أدرك أن القيمة الإنسانية/المعنى؛ سابقة على الطبيعة الإنسانية/المادة، بل ومبدعة لها، ومن هنا ولد «الإحساس الإنساني» بالقيمة الجمالية، فنشأت مقولة «الزمن»، فالإنسانية شبه الحيوانية كانت تعيش في «المكان» دون أن تدركه قيمياً، أي دون أن يتحول الوطن إلى هوية وقيمة جمالية معبرة عن الذات بأبسط عناصرها المادية، مما يستحق الدفاع عنها والموت من أجلها، وهو الفارق بين الوطن والدولة.