رسالة إلى يافا

2012-10-06 11:46:00

أقف على الطرف الثاني من بحرك، ولطالما بقيت طرفاً منك، أكتب سطوراً من حنين ولا أعلم ما إذا كانت ستطال رملك في تجاعيد برتقالك، أم ستظلك تيهاً في الـ «بين» بين طرفين،

أي زمان ومكان هذا الذي سيفضّ عنها رحلتها، كل ما أعلمه أنها رسالة إليكِ وإليَّ في المدى البعيد، لوطن لا يُعرّف بمنفاه.كيف يستوي الطريق إليك ما لم أكن منفياً؟

ألا يعدّ هذا التساؤل في ذاته انتقاصاً من تجاوز الوطن وجمالية الانتماء له؟ كيف لهذا التساؤل وهو يهجس بي عمراً عشته وعاشني في البعد أن ينجو من ظل المحتل، ومرآويته؟ أكنّا لنكون دونه..

أكانت «هنا»ي و«أنا» لتكتملان دونه!

أرمي إليك سؤالاً فادح الألم والنبر، فكيف أنزع نحو بداياتي وجذوري وأن أهجس بمكاني الأول، وأنا لم أكنه ولم أمر بزمنه يوماً؟ أكتب إليك اليوم وأمري بسطوري لأتأكد أنني وإياكِ لسنا محض تخيل.كيف لا يستوي الواقع دون هذا التخيل؟ ألهذا يحتل هاجس المتخيل مدرك الواقعي من يومنا وحياتنا و«هنا»نا، وينعكس شظايا لون في بلور مراياي، فنثمل بمواثيق الشكل الموسوم فقداً شعراً دون تمام الوطن والمعنى! حتى في مسِّك المتحقق لي أغدو ويغدو مكاني متخيلاً..

لوهلة ظننت جدي لم يكن يوماً، وأن لقائي به في الحكاية هو محض وميض من حياة ماضية لا تُدرك إلا ماضية.. أو حالية فقدت ارتباطها وإيايَّ بالتخوم

كيف لهذا الموج أن يعاتبني في فجر ينبعث منك في الجهات والأنين، ليقول

:استوِ مني،

ليبدأ مديح الجهات

ليمدها سكونك

فأمتد إليها

أتسكن هي

وأعود أنا إلى المعنى

وتعود الجهات إليف

يتوقف الزبد على حدود الظل / ظلي دون رسمي واسمي، لكم هو مؤلم أن ينكرني و أنا نصه وملحه، لا أريد مساً من نبوة موسى وبحره، إذ أنكره ملحه ليستوي المعنى وتتسق السماء، لست بحاجة لنبوة لأدرك البحر والملح والبرتقال، يكفينا قداسة صلبت أماكننا على شمس النص، لا أريد حمى ملائكية لأصالح بحري ومدينتي..

أريدها آدمية خالصة، يملؤها النبيذ التأنيث، لأتم بنوتي لها، وتكتبني نصها من سرد.

ما لهذا النزوع إليكِ يا يافا دون مِلْحين مُتحدين على شواطئ طَرَفَيكِ، لا أعلم ما إذا كانت ستطالك حروف الملح هذه أم لا، لا لتبحث بالنيابة عن إجاباتي الساقطة في الطرق منك إلى كل «هنا» إلا «هنا»ك، بل لتعري أسئلة معلقة كإناث عرايا يطفن بكعبتك ليلة اكتمال بدرك، فيحبلن بالمعنى والصمت.

هواجسي هنا، نزوع إلى وميض في نبضة القلب، ضاقت به روحي، وضج بها الجسد، حدود الموت المسكون في دخانك والرابض في موج بحرك، موج يقسم على ظل الآلهة أن يقاطع حرفاً فقد نصه.

أكتب إليك وإليَّ في آن، ليعلو صوت الأنا في أناي خارجك، ولسماء تجمعنا فأضلّ الطريق إليك ولمكاني، ذلك الذي لا أعلم كيف أنتمي إليه دونك، أي زمن يكثفه مكان لم أبدأ منه، و الزمن مسافات البداية من الـ«هنا»، هل يعيدني زبدك إلى «آنٍ» يطوف بمواجع المنفى والوطن.. كيف لهوية تتشكل به وتكسر الضوء في حبات ملحك أن تكتمل دونك فقداً ووطناً؟

حروفي إليك سرقتها مني إليك، لعلي أرد ديني

إذا وُجدت هذه الرسالة، دون يافا، فاعلم يا من تقرأها أنك واقعٌ في منتصف الطريق بينها وبين يافا البرتقال، فلا تجعلها تقع ضحية ضيق التأويل وخرس المقدس، وأعدها إلى زجاجتها في صدق بحر يافا ليعيد لها دموع النازحين من يافا، فتدمغها طريق عودة مكتمل لا يخرسه التاريخ ولا الجنرال).كان ذلك نص رسالة ألقيت في البحر في قنينة علّها تلملم خطوات فقدها البحر.