حكايات غزة: الحرب التي لا تقتلني تمنحني الحياة
خاص – مكتب غزة –(شبكة راية الإعلامية)
كتب رمزي أبو جزر:
كثيرة هي القصص الإنسانية التي تستوقفك في مدينة تضج بالمأساة، فلكل مكان فيها حكاية لا تنتهي ، هنا شهيد أو ابن شهيد ، وهناك آخر جرح ومازال نزفه يملأ المكان ، وأنقاض بيت لم يعد قائما إلا في الذاكرة .
فالمرور بين الأحياء المهدمة أو المعرضة للهدم مع وقف التنفيذ يوحي لك أن المعركة تخطت الثمانية أيام أو أنها لم تتوقف حتى اللحظة .
أطفال تجاوزت معاناتهم ضعفهم تراهم يلعبون على الأنقاض، وكأنها رسالة للاحتلال ان هذا البيت او المكان اكبر من أن يحتويه صاروخ أو قصف، وتجد في الأماكن رائحة بكاء رجل ودع طفله الشهيد، وشهيد استقبل طفل آخر بعد ساعة من ارتقاءه للسماء ، مشاهد لا يمكن حصرها بالكلمات
ذكريات وأحلام خطفها الموت
إيمان ( 22 عاما ) زوجة الشهيد لم يمضي على زواجها عام ودعت زوجها الذي سقط في غارة سلبت منها كل الفرح دفعة واحدة ، وتركتها أسيرة حزنها و بقايا ذكريات لم تكتمل بعد، تبكي بحرقة هذا الفقدان الجلل حب طالما انتظرته وتشاركت معه أيامه منذ لحظة اللقاء الأولي إلى لحظة الرحيل الأخيرة.
إيمان للوهلة الأولى لم اصدق الخبر، فقدت الوعي ولم استفيق إلا على مشهد الوداع عندما احضروه لنظرة الوداع علي جسده المسجى والمدرج بكل ألوان فلسطين، نظرة الحب الأخيرة .
الطفلة مريم ( 14 عاما ) التي فقدت والدها في الحرب كانت في انتظاره لكي يحضر (الكنافة) التي طلبتها منه لكنه تأخر كثيرا، لم تنم ليلتها مع شعور بالقلق وانقباضه في الصدر مع توارد أخبار الشهداء عبر الراديو أو التلفاز .
كلما تأخر في القدوم ضاقت مساحة الأمل لدى " مريم" حتى قطعه صراخ الأم ، (...) وجدوا بجانبه (الكنافة).
في غزة ما يستحق الحياة :
مشهد الموت لم ينتصر على الحياة هنا في غزة مازالوا يحلمون بغد أفضل ولبعضهم مشاريعه الخاصة التي تتجاوز الحرب والمعاناة ، وآخرون مازالوا يتحدثون عن التحدي والإصرار ويؤكدون لك لن تعود النكبة مجددا فنحن مزروعون في هذه الأرض لن نغادر .
الحاج (أبو تيسير) في السبعينات من العمر من مدينة خانيونس مازال حتى اللحظة متمسكا بحقيقة وجوده لا يعترف بالواقع الذي يريد الاحتلال فرضه عليه، منذ النكبة إلى اليوم يقول لن يكون هناك لجوء آخر لو ذبحونا كلنا ... غزة مش راح تموت حتظل شوكه في حلوقهم". ينتهي الكلام / القرار.
انه إصرار يدفعك للتمسك أكثر بالحياة وغزة وكل شيء، من رجل مازال على يقين أن الزمن المر لم يمر إلا على أعدائه، وانه سوف يعود إلى الأرض قريبا، فتشعر انه لا مسافة بين حديثه والحرية .
أما كمال ( 37 عام) فنان مسرحي يقول انه سيشارك في مسرحية جديدة يجري كتابتها ستعرض قريبا في غزة، ويؤكد أن الحياة لن تتوقف وان المدينة البائسة والمحاصرة ستخرج من بين الالم والحزن اقوي مما سبق .
و يضيف كمال لطالما دفعتنا الحرب إلى الإصرار على مواصلة المشوار لنعيد بناء الحياة من جديد فهذا الاحتلال لن ينجح في المرور على أجسادنا لكي يحقق أمنه المفقود .
وهنا أيضا منال تستعد لعقد قرانها على شريك عمرها الذي نجا من الحرب ككل الغزيين، تفكر في ترتيبات الفرح وثوب الزفاف الأبيض، لكنها لم تخفي مخاوفها من القادم، رغم ذلك تؤكد اصرارها على الفرح كسلاح في مواجهة الحزن.
تقول منال لقد عشت حالة من القلق الدائم على شريك عمري الذي لم أراه طول أيام الحرب الثمانية كنا على اتصال دائم من خلال الهاتف ننتظر اليوم الذي تتوقف فيه الحرب لنبقي معا .
هذه الحكايات والصور هي مزيج من قصة البطولة وسط الكارثة ... حيث تخرج غزة منتصرة للحياة رغم كل الدماء والموت الموزع في طرقات حارات المدينة... فهذه الأرض لا يمكن أن تقايض حريتها وكرامتها بالأمن الإسرائيلي .