طريق العزة

2013-02-21 09:43:00

بقلم: القاضي : ناصر جبر القرم

عضو محكمة الإستئناف الشرعية

قال تعالى:{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}.
وقال الصحابي الجليل ربعي بن عامر مجيبا كسرا ملك الفرس عندما سأله عن رسالة الاسلام:(جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد و من ضيق الدنيا الى سعة الاخرة و من جور الاديان الى عدل الاسلام) .
ان العزة الحقيقية و طريقها قد رسمتها هذه الآية و مقولة الصحابي ربعي والتي تلخص معنى العبودية للواحد الأحد وهي الرسالة التي بعث فيها الانبياء والرسل جميعا انها التوحيد والانقياد لشرع الله عز جل واقامة ميزان الله بالقسط لعمارة الارض،قال تعالى:{واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}،وهي الغاية التي خلق الله العالمين لأجلها،قال تعالى:{وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}،انها الكلمة الفاصلة بين الكفر والايمان وبين الطاعة والمعصية وبين الهدى والضلال وهي التي عبر عنها سيد البشر (صلى الله عليه و سلم) عندما رفض المساومة أو المهادنة مع الكفر واعلنها على الملأ صريحة جلية دون خوف او وجل او تردد فقال: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على ان اترك هذا الامر ما تركته حتى ينصره الله او اهلك من دونه)، انها العزة والثبات واليقين التي تربى عليها ذلك الجيل القراني الفريد والذي سجل التاريخ الاسلامي صفحات عزهم و مجدهم بدءا من بلال الحبشي الذي تحدى اكبر طواغيت الارض بكلمة واحدة،لكنها جامعة ومعبرة عن عزة الايمان (احد احد)،هي الكلمة نفسها التي عبر عنها الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه: (نحن العرب قد اعزنا الله بالاسلام و مهما ابتغينا العزة بغيره اذلنا الله)، لقد عرف ذلك الجيل ان السر في عزهم و مجدهم في هذا الدين،قال تعالى: {يا ايها الذين امنوا استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم}،فالاستجابة لدعوة الله ورسوله ولهذا الدين فيها حياة العزة والكرامة والفلاح،واما الاعراض عن هذا النور ففيه المهانة والذلة والصغار،قال تعالى:{ومن يهن الله فماله من مكرم}،وقال كذلك:{ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكى}،وهذا ما وصلت اليه امتنا في هذا الزمان وصدق فيها قول الشاعر:
وما برح الزمان يدور حتى            غدا في الركب قوم اخرونا
و اصبح لا يرى في الركب قومي     وقد عاشوا ائمته قرونا
والمني والم كل حر سؤال              الدهر اين المسلمونا

انه السؤال الذي لا يجد اجابة اين المسلمون اين عزة الاسلام و المسلمين تلك الامة التى تعد بالملايين،لا يوجد لها وزن على خريطة الاحداث،فقد تاهت و تلاشت بين الاقدام والزحام،فباتت بلا هوية ولا عنوان،حتى صدق فيها قول نبيها (صلى الله عليه و سلم):(تتداعى عليكم الامم كما تداعى الاكلة الى قصعتها،قالوا:او من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟قال:لا بل انتم كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من صدور اعدائكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال:حب الدنيا وكراهية الموت)،انه الوهن والضعف والخوف والخوار الذي دب في الامة فباتت تعاني من مرض عضال،شكل لها ازمة ثقة بدينها مما اضطرها ان تلتمس وتستجدي الشرق تارة والغرب تارة اخرى بعد ان لبست على اعينها نظارة سوداء،واستغشت ثيابها،واصمت اذانها،وركبت بقطار المدنية والعولمة،فصارت بلا اسم ولا هوية ولا عنوان،قال صلى الله عليه و سلم:(لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)،فاذا نظرنا الى حالنا اليوم نجد ان المعاصي والاثام والذنوب قد احاطت بنا،واستفشت في مجتمعنا وساد الفساد والافساد وعم وطم في البلاد،قال تعالى:{ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ولعلهم يرجعون}، فانقلبت حياة الامة الى ازمات ومشاكل مستعصية وانشغال واشتغال لايجاد حلول لها دون جدوى وما ان تخرج الامة من مصيبة اومن ازمة حتى تقع في غيرها،قال تعالى:{وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم و يعفوعن كثير}.
فكان حري بنا،بل من الواجب علينا و نحن اذ نمر في هذه المرحلة في تاريخ قضيتنا،وامام هذا الواقع الاليم،بان نعيد الوحدة الى قلوبنا حتى تعود الوحدة الى وطنناقال المولى عز و جل:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}.
انها دعوة للوحدة والوئام ونبذ للفرقة والخصام ،لان الفرقة والنزاع سبب فشلنا وضعفنا ،قال تعالى{ واطيعوا الله و رسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}،فالصورة الحقيقية لهذه الامة هي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا،وكالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى،عند ذلك تستحق الامة النصر والتمكين والعزة والبشرى والغد الزاهر بوعد الله والله لا يخلف وعده،قال تعالى:{حتى يقول الرسول و الذين امنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب}،وقال (صلى الله عليه و سلم) : (ليبلغن هذا الدين،ما بلغ الليل والنهار ولا يبقى بيت شجر ولا مدر ولا حجر الا و سيدخله هذا الدين اما بعز عزيز او بذل ذليل ،بعز يعز الله به الاسلام واهله،او ذل يذل الله به الكفر واهله).