الأسرى بين ظلم السجان ووعد الديان
بقلم : ناصر جبر القرم/ عضو محكمة الاستئناف الشرعية
الحمد لله الذي وعد أولياءه بالنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض ، والله لايخلف وعده ، قال تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله ،فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ،وذلك هو الفوز العظيم } ، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين ، المبعوث رحمة للعالمين ،الذي حذر من الظلم وبين عاقبة الظالمين ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ان الله تعالى ليملي للظالم ، حتى اذا أخذه لم يفلته ) .
ان من أهم القضايا التي تهم الأمة والتي يجب أن تبقى على سلم أولوياتها هي قضية أبنائنا الأسرى ، لأن الواجب الشرعي والوطني والاجتماعي والنضالي يحتم علينا الوقوف الى جانبهم ، ودعم صمودهم الاسطوري وقضيتهم العادلة ، فانه من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، وفي هذا الشأن يقول صلى الله عليه وسلم : ( فكوا العاني وعودوا المريض وأطعموا الجائع ) ، والعاني هو الأسير .
وكاني مع كل اسير يخوض معركة الارادة والتحدي والجوع والعطش والظمأ ، لأبشره بقول الله تعالى : { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع اجر المحسنين } .
ويعلم ذاك الأسير واخوته الأسرى ، أسود الوغى الرابضين في قلاع البطولات في باستيلات الاحتلال النازية ، ان النصر مع الصبر ، وان النصر صبر ساعة ، وهذه الساعة تمر على احبتنا وذويهم كدهر حافل بالمواجع ، ليس لهم عون الا من الله تعالى ومن تضامن شعبهم معهم الذي يكسر جدار وحدتهم وغربتهم ، هذه الساعة يا أخي الأسير اذا تخلى عنك فيها كل اهل الارض ، يتسلل اليك شعور غامض بالخوف من الحاضر والمستقبل ، تشعر كأنك اضعت عمرك بلا جدوى ، وان البناء الذي تعبت في بنائه قد انهار في لحظة ، وانك هالك لا محالة ، وتخشى السقوط ، وتعجز حيلتك ، وتفكر جديا بالتراجع ، بعد ان استنفذت كل طاقاتك وجهودك من أجل عمل لم ينجح ، وتبرر لنفسك أنك قد أديت ما عليك ، ولا بأس بالانسحاب والنكوص ، فقد جربت كل الحيل و الممكن والمستحيل للخلاص ، وبدأت عتمة الليل تسيطر عليك ، وأصبح النصر حلما لم يتحقق ، الرسالة السامية والمبادئ والقيم والثوابت التي جاهدت لأجلها تدك تحت أقدام الواقع الاليم ، تتخيل لحظات وداع الأهل و دموع الأصدقاء ، وتسيطر عليك الهموم ، ثم تعود الى نفسك وتجمع قواك ، وتراجع الامتحان قبل ان يقرع جرس النهاية ، تفكر بمأساة التراجع عن تحقيق الهدف ، تتذكر وجع الاستعباد والقهر والظلم ، وتشعر بمرارة الذل علقما ،ترى نطرة العتب في عيون الاطفال ، تلك النظرة التي تحرق أكثر من نار السجان ، تستعين بالله وتتذكر قول الله تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين } ، وتقرر القرار الحاسم ، مهما كلف الثمن ، سأتابع رحلة الكفاح ، حتى لو قدمت روحي له رخيصة ، فما هي الا احدى الحسنيين ، فلن أترك الساحة لعدوي لأنزوي و يهزمني ، دعوني أواجه الموت كريما مرفوع الرأس و الهامة:
فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدى
فحينها تشعر بقوة الايمان و الثبات قد عادت اليك ، لتتحدي طاغوت الباطل الذي يحسب لك كل الحسابات ، قال تعالى : { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .
هذه القوة التي تستشعرها قادرة على قلب الموازين ، انها قوة الصبر والثبات حتى ياتي الله بالفرج من حيث لا تعلم ولا تحتسب ، عندها توقن بالنصر وبقول الله تعالى : { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ، ألا ان نصر الله قريب } .
وان النصر ليولد في انفاس العسر، قال تعالى : { فان مع العسر يسرا ، ان مع العسر يسرا} وانه ما غلب عسر يسرين ، وان خير العبادة عند الله تعالى انتظار الفرج.
واذا ارادت الامة النصر والعزة والكرامة فعليها ان تعود لكتاب ربها ، لانه لا يصلح اخر هذه الامة الا بما صلح به أولها ، قال تعالى : { ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } ، وهذا الكتاب يدعونا للوحدة والوئام ، قال الله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ، وهذا الكتاب ينهانا عن الفرقة والخصام ، لانها سبب فشلنا وهزيمتنا ، قال تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } .
وحتى ننجز اهدافناعلينا ان نتسلح بقوة الصبر والايمان ، قال تعالى:{ وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ، عند ذالك ننتظر الفرج والمخرج من الله العلي القدير الذي يقول : { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }.
واذا كان عدونا قد ظلمنا في الأسر تارة والقتل والتشريد والأذى تارة أخرى، ولا زال يمعن في التنكيل بنا ، ولا يرقب فينا الا ولا ذمة ، وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ، فمن الواجب علينا ان لا نظلم أنفسنا ، وأن لا يظلم بعضنا بعضا ، فالمسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يخذله ولايسلمه ، بل ينصره ظالما كان أو مظلوما ،ان كان مظلوما وقف الى جانبه وان كان ظالما رده عن الظلم ومنعه، وان لم يفعل ذلك عمت الفتنة والفساد في الأرض ، فالظلم الواقع في الأرض مرده الى ثلاثة أنواع :
أولها : ظلم الانسان لربه بالكفر والشرك فقال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ، وقال كذلك : { ان الشرك لظلم عظيم } .
والنوع الثاني من الظلم : هو ظلم الانسان لنفسه بما اقترف من الذنوب والخطايا والآثام ، الذي يقول الله عنه : { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ، وهذا الظلم الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم : (الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها ، ومبتاع نفسه فمعتقها ) .
و أما الظلم الثالث : فهو ظلم الانسان لغيره ، والمتمثل بأنواع الأذى والضرر القولي والفعلي ، والسعى في الأرض بالفساد والافساد ، فهذا الصنف من الناس من اتبع هواه ، وغرته الحياة الدنيا ، ونسي أن الآخرة هي دار الحيوان ، قال صلى الله عليه وسلم : (لتؤدن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء).
فالناس في هذه الدنيا يصنفون الى ثلاثة أصناف ، منهم من غلبت سيئاته حسناته ، فهذا ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، فلايفعل الخيرالا القليل ، والصنف الثالث سابق بالخيرات ، فهذا غلبت حسناته سيئاته ، وفي هذا يقول المولى عز وجل : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير } .
فالظلم في هذه الحياة الى زوال ، ولا عدل الاعند أحكم الحاكمين، الذي يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ويجزي الذين اساؤا بما عملوا، ونتذكر ذلك اليوم وذلك المشهد العظيم الذي يقول الله فيه : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين }.
ذلك الميزان الذي يزن كل صغيرة وكل كبيرة ، حتى الذرة أو حبة خردل من خير أومن شر ،فمن ذلك الميزان أمرنا الله تعالى بأن نقيم الوزن بالقسط دون تطفيف أو تخسير، قال تعالى آمرا لنا بالقسط : { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } ، وقال كذلك ناهيا في سورة المطففين : { ويل للمطففين ، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون ، واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون }.
فسنة الله لا تتبدل ولا تتغير بأن العاقبة للمتقين ، والجزاء للصابرين ، ولكن لابد أن يميز الله الخبيث من الطيب ، حتى يحي من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ،وهذا قانون الدفع والتدافع ، اي يدفع الله بأهل الايمان ليقيموا الحجة والبرهان على اهل المعصية ، حتى يأخذ اهل الحق بزمام الأمور ويقودوا الركب في غمرة الزحام ، يقول الله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، ولكن الله ذو فضل على الناس } .
وفي النهاية نتذكر نبي الله يوسف عليه السلام الذي سجن ظلما فقال الله على لسانه : { انه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين }، ونقول لأحبتنا الأسرى انا نحس خطاكم على أبوابنا ، وشذى عطركم قد عبق صدورنا ، وبتنا نسمع دقات قلوبكم ، وأيادينا تصافح أياديكم ،وعيوننا استمتعت بربيع حدقاتكم ، وشفاهنا تقبل جبينكم ، قال تعالى على لسان نبي الله يعقوب والد السجين يوسف عليهما السلام : { اني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } .