قصة رُدَينة
بقلم: رامي مهداوي
عزيزي خطاب...
أعتذر مسبقاً بأني كنت أحكي لك قصص خيالية بعيده عن الواقع وأنت صغير مثل: ليلى والذيب، ساندريلا، الشاطر حسن، شرطي حرامي. لا تندهش إذا سمعت قصص الحياة الواقعية... إعلم جيداً بأن قصصنا اليومية أصعب مما يتصورها عقلنا، لهذا وعد مني سأقص لك قصص حقيقية من فترة لفترة عن واقعنا حتى تتمكن من رسم هذا الواقع وإيجاد حلول تناسب أخلاقك وقيمك. قصتي اليوم هي كلمات صديقتي إيمان شنن، قصة المرحومة ردينة من مخيم جباليا في قطاع غزة:
وصلنا إلى بيت ردينه الذي يؤويها هو ليس ببيتها ولا المكان مكانها هي طريحة فراش في غرفة لحماتها بعد أن طردت من ذوي القربى من بيت كان يحتضن عائلتها الفقيرة البسيطة.
بكلماتها البسيطة بدأت ردينه كلماتها الصادرة من القلب إلى القلب كلمات غير منمقه أو منتقاة أهلا وسهلا شكرا بأنكم لبيتم النداء، ردينه امرأة فلسطينية حتى النخاع، أصيبت بسرطان الثدي وامتد المرض إلى رأسها والرقبة وكسر الحوض والقدم لديها منذ شهر ولكنها لم تتوقف يوما عن الابتسام أو أن تفقد الأمل رغم الجرح.
ردينه لا تفكر مثل غيرها ممن أصبن بسرطان الثدي بجراحة تجميله ، أو كيف تعوض صدرها الشمال الذي أستأصل ولا تلقي بالاً على مظهرها فالهم والألم أكبر بكثير ردينه تسكن مع عائلتها المكونة من 9 أفراد وحماتها في غرفة واحده لا تتجاوز مساحتها 3 أمتار هي وأبنائها يحلمون بأشياء بسيطة لا نفكر بها نحن لأننا قد لا نصدق انه ما زال هناك أناس ما زالت أحلامهم ثلاجة أو فرشات أو ماء نظيفا يشربونه، أو طعاما يتذوقوه .
عندما تحدثت معي بالأمس عبر الهاتف قالت لي حابه اطلب منك طلب نفسي آكل فاكهه، بدي أكل لأولادي بدي بمبرز فانا لا أتحرك، أغلقت الهاتف والدموع تقول في أي زمن نحن نعيش أي قلوب في داخلنا تتحرك أي دماء تمشي في عروق البشر!!؟؟ عذرا ردينة فقد تحول البشر إلى تماثيل صماء .
ضحكت ردينه مطولا عندما سألتها قبل سنة إذا كانت تحتاج إلى ثدي صناعي تجميلي، وقالت أن ثمنه يمكن أن يطعم أبنائها شهرا بحاله، ماذا سيفيد تغيير الشكل الخارجي، والقلب لن تتغير مشاعره.
نعم ردينه أنت محقة وأتفق معك في وجهة النظر، ولن تستطيع كل مظاهر التجميل والتكميل الجراحي أن تصلح ما أفسده الوجع والألم والمعاناة، ولن تستطيع أن تخفف ما مررنا به من لحظات انتظار وقلق وخوف.
ردينه تتمنى أن تجهز ابنها الصغير قصي ذو الخمس سنوات للروضة هو يبكي وهي تبكي ولا حياة لمن تنادي فظلم ذوي القربى يفوق كل الألم الذي تعيشه ردينه في ال24ساعة .
هذه إحدى قصصنا التي لا نعرف عنها يا ولدي، والسؤال حتى لو علمنا بهذه القصة من قبل هل سنتحرك أم ننتظر حتى تنتهي القصة، ونحضر أنفسنا لسماع قصص أخرى....