العدوان الإنساني؛ مسنون لم ترجحهم كفة ميزان البشرية
رام الله - شبكة راية الاعلامية:
كتبت: نهيل أبو غيث..
لم أقتنع حينها عندما أخبرني عن جارهم الذي تجاوز السّتين عاما، يصحو وينام على لكمات من ابناءه السّتة دون سبب أو رحمة غير آبهين به، ومسكنه حافة المنزل من الخارج يُحظر عليه دخوله قبل مغيب الشمس، رأيت أن الأمر تجاوز الواقع ودخل في فَلك الخيال، طلبت أن أرى ذلك بنفسي فحالت بعض الصعوبات دون ذلك، فقلت: هي كذبة الأفضل أن لا أصدقها.
ولكن الخيال تعدى حدوده عندما أدركت أنه واقع يصعب تصديقه بعد مقتل تلك السّيدة ابنة العقد الثّمانين من إحدى المدن الفلسطينيّة، المهمشة نفسيا ورعايّة من قبل ابنها الوحيد، فخبر وفاتها لم يكن ذاك الخبر المتداول كغيره من الأخبار بل كان تلك الصّدمة التي لم يستطع استيعابها أي فرد في المجتمع صغيرا كان أم كبيرا.
قتلها النّمل الذي تغذى على أحشائها تحت تلك الشجرة عندما تركها ابنها أياما بلياليها بتشجيع من زوجته كأي دابة تعيش في فناء البيت متناسيا بأنها أمه!
وبعد انبعاث تلك الرّائحة الكريهة من شقة في إحدى بلدات مدينة الخليل عثر رجال الشّرطة والدّفاع المدني على المسن ابن الخمس وسبعين عاما وقد فارق الحياة منذ أيام عدة، مع العلم بأن لديه ابن يعمل داخل الخط الأخضر لم يزره منذ أيام.
السّؤال الذي تبادر إلى ذهني حينها في حال لم يستطع الابن زيارة والده بسبب سياسية العمل هل أيضا لم يستطع الاتصال به ليطمئن على حاله وهو يدرك تماما بأنه يعيش وحيدا لا أنيس ولا مؤنس معه، حيث تعفنت جثته دون أن يعلم هو وغيره بأمر وفاته.
القصص كثيرة يطول سردها والوقوف على تفاصيلها ولكننا لسنا بصدد المحاسبة ومعاقبة الجاني، ولكن بصدد البحث عن حلول ليحيا الإنسان بكرامة مرورا بمراحل عمره جميعها وانتهاء بشيخوخته، فالمسن طفل بحجم كبير يفقد قدرة الدفاع عن نفسه باليد واللسان وأحيانا يفقد العقل فيتوه في غياهب النسيان، فيصبح فريسة لأبناءه إن كانوا بلا ضمير أو إحسان، والسؤال الهام عندما نصت الكثير من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على بنود خاصة بحقوق المسنين فمن يضمن تطبيق هذه البنود في مجتمعاتنا الفلسطينيّة؟
ففي كثير من الدّول يتم تأمين المأوى للمسن في حال لم يكن يملك المأوى ويصاحبه مرافق يرعاه صحيا ويطهو له الطعام ويكون صديقا يخفف آلامه، فلماذا لا يتم توفير ما سبق ذكره للمسنين في بلادنا، فهو لا يطلب سوى أمناً ودفئاً وبعض التقدير لإنسان أعطى الجزء الأكبر من شبابه لبناء مجتمعه وأسرته.
وبالرغم من أننا لسنا بحاجة لقوانين فالديانات السماويّة حثتنا على مراعاتهم وتوفير العيش الكريم لهم ولكن البعدعن الدّين والجهل به زاد من الفجوة والقسوة، يقول قدوتنا ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم:
“ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر”.
المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها فأيضا أفراد المجتمع مشاركون بها، فهم جزءا من عائلة المسن وجزءا من مجتمع بجميع فئاته، فأيها الإنسان ما تقدمه الآن تلقاه ينتظرك بعد أعوام، فكن المحسن اليوم ليُحسن إليك غدا.
وما زال السّؤال قائما من يضمن للمسنين تطبيق حقوقهم في فلسطين؟
المصدر: شبكة نوى