نداء الأقصى

2013-03-23 00:28:00

بقلم: ناصر جبر القرم، عضو محكمة الإستئناف الشرعية


يقول أحد العلماء من الباكستان ، واصفاً أهل فلسطين وواصفاً العرب والمسلمين  : " أنتم العرب عربات القطار ، ونحن المسلمون السكة التي تسير عليها العربات ، وأنتم أهل فلسطين رأس القطار ، فان تعطل الرأس تعطلت العربات وصدأت السكة " ، لأن فلسطين تشكل قلب الصراع ، فهي أرض الاسراء والمعراج ، وفيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين ، وثاني المسجدين الشريفين ،وثالث الحرمين المحرمين ،وهو من المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال الا اليها ،وهي مهد الديانات السماوية الثلاث ،وأرض الرسالات ، ومنها سطعت أنوار النبوات ،أرض الخيرات والبركات ، قال تعالى بحقها : { ونجيناه ولوطاً الى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } .


فالبركة عمت هذه البقعة من الأرض ، وفيها وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائفة الظاهرة على الحق ، القاهرة لعدوها ، والصابرة على ما أصابها من اللأواء ، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ،فليست البركة فيها فقط بل وبمن حولها ،قال تعالى:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير } .
ومن البركات التي حلت على أهل هذه الديار ، بأن جعل الله عز وجل لكل من يرغب بزيارتها قرى ظاهرة ، وذلك ليستريحوا من وعثاء السفر ، وبعد المسافات ، فقال تعالى : { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ، وقدرنا فيها السير ، سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين } ، فقد كانت هذه البقاع قبلة المسلمين الأولى ، حيث صلى نحوها المسلمون وراء رسول الله صلى الله عليه ما يقارب سنة ونصف السنة ، ثم تقضي مشيئة الله تعالى بأن تتحول القبلة الى المسجد الحرام ،فقال تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ، كل ذلك من أجل تأكيد الأخوة والتوأمة بين المسجدين ،المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد الأقصى المبارك في القدس المشرفة ،وذلك في قبلة المسلمين الأولى ، وفي أهم فرض وركن من أركان دينهم ،بل في عمود دينهم ، وهي الصلاة التي ارتبط فرضها في رحلة الاسراء والمعراج .


ليس هذا فحسب ، بل من أجل تخليد هذه الرحلة ، وما كان لها من أثر وتحول في تاريخ المسلمين ،بل وفي عقيدتهم ، فقد أنزل الله عز وجل سورة في وسط  كتابه سميت باسم هذه الرحلة ، وهي سورة الاسراء ، فكانت حادثة الاسراء بمثابة الفتح المعنوي لبيت المقدس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي الفتح الحقيقي من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبيت المقدس ،ثم يأتي القائد الناصر لدين الله تعالى صلاح الدين والدنيا الأيوبي ليحررها من الصليبيين . ثم تتابع الحكم الاسلامي لهذه البقاع ووجدت أعظم اهتمام ورعاية لها على مر العصور والدهور، وبقيت هذه الرعاية والحظوة لهذه البقاع المقدسة حتى تآمر على دولة الخلافة العثمانية أعداء الأمة ، وكانت فلسطين هي الثمن الذي دفعه المسلمون ،ولتبدأ خيوط المؤامرة من وعد بلفور الذي أعطى فلسطين وطناً قوميا لليهود ،ثم تبدأ حلقات الظلم ، تتشابك على هذه الأرض وعلى شعبها الذي شرد وهجر خارج الوطن في مخيمات اللجوء والشتات .


ولكن المؤمن يثق بوعد الله له بالنصر والتمكين ، والله لا يخلف وعده ، فاستحقت هذه الأرض بتسميتها بأرض الرباط ، ومن أخلص نيته فيها استحق أجر الجهاد ، وان الجهاد كما هو معروف ذروة سنام الاسلام ،وتأكيداً لهذا المعنى فقد بشرنا صلى الله عليه وسلم قائلاً : ( ان الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من العريش الى الفرات ، رجالهم ونساؤهم واماؤهم مرابطون الى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس ، فهو في جهاد الى يوم القيامة ) ، ولعل ما يثلج صدورنا ويطمئن قلوبنا هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث روى عثمان بن عطاء عن أبي عمران ذي الأصابع قال : قلنا يا رسول الله اذا ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ فقال : عليك ببيت المقدس ، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون الى ذلك المسجد ويروحون ) .
حقاً فان هذه النعمة الربانية والحفاوة الالهية قد اختص الله بها أهل بيت المقدس ، وليس هذا سراً بل هناك أعظم من ذلك ، وهو أن الله تعالى قد جعل أهل الشام جميعاً في كفالته ، ومن كان في كفالة الله فلن يضيعه الله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ان الله تعالى تكفل لي بالشام وأهله ) ، ويقول التابعي وهب بن منبه في هذا المعنى : " أهل بيت المقدس جيران الله تعالى ، وحق على الله تعالى أن لا يعذب جيرانه " .


فاستحق التهنئة كل من سكن هذه الأرض ، وليس هذا باجتهاد منه ، بل بمحبة من الله وقدره ، يقول عطاء بن أبي رباح " لا تقوم الساعة حتى يسوق الله تعالى خيار عباده الى بيت المقدس فيسكنهم الله اياها " ،كل ذلك لأن السكنى هنا لها ثمن غالي من الصبر والرباط والمصابرة والصمود والثبات أمام جميع الأخطار المحدقة ،والتحديات الصعبة ، قال صلى الله عليه وسلم : (سيأتي زمان على الناس القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ) ،وان ما يتعرض له أقصانا من منع من الصلاة فيه ، وتهديد لأساساته بسبب أعمال الحفر تحته ، كل ذلك يندرج تحت أنواع الظلم الديني الذي يمارس بحق المقدسات وبحق بيوت الله تعالى ، والتي كفلت حمايتها جميع المواثيق والشرائع والأعراف الدولية ،فقال تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين ، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } .


وفي النهاية لا يسعني الا أن اذكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل هذه الديار ، فبينما كان يحدث صحابته عنا قال : ( الله الله على أحبابي فقال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم : أنحن أحبابك يا رسول الله ؟ فقال : لا ، بل أنتم اصحابي وأولئك أحبابي ، أولئك يأتون بعدكم فيجدون كتاباً قد عطله الناس ، وسنة قد أماتوها فيقبلون على الكتاب والسنة فيحيونهما ويعلمونهما للناس ،وانهم يلاقون في سبيلها أشد وأعنف مما لاقيتم ،وانهم سيحاطون بالظالمين من كل مكان ،فأنتم تجدون على الحق أعواناً وأولئك لا يجدون ،وان شهيد أحدهم بأربعين من شهدائكم ،ثم دعى لنا قائلاً : الله انصرهم واجعل عزة الاسلام على أيديهم ،وقال الصحابة : أين هم يا رسول الله ؟ فقال هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) .


فالله نسأل بأن يكون أبناء شعبنا أهلاً لهذه الكرامات الربانية ، وأن يكونوا أهلاً لهذه البشارات النبوية ، وأن يكونوا من خير أمة أخرجت للناس ، مرابطون في بيت المقدس وأكنافه ،حتى ينصر الله تعالى هذا الدين ،اما بعزعزيز ،أو ذل ذليل ،بعز يعز الله به الاسلام وأهله ،أو ذل يذل الله به الكفر وأهله ،حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت ،لا يخاف الا الله ،والذئب على غنمه ،ولكنكم تستعجلون .