سنة الإبتلاء

2013-03-30 07:49:00

ناصر القرم - عضو محكمة الإستئناف الشرعية

ان من سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير هي سنة الابتلاء ،انها الاختبار الحقيقي لحقيقة الايمان ،فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ،قال تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ،ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ،ان نتيجة الامتحان اما الصدق واما الكذب ،اما أن تكون صادقاً مع الله ،واما أن تكون كاذباً ،فليس الصدق في القول فقط مع الله ،بل الصدق في الأعمال ،في المنشط والمكره ،وفي السراء والضراء ،وفي الغنى والفقر ،وفي السر والعلن ،وفي الشدة والرخاء، وفي البأساء والضراء ،وحين البأس ،وان الابتلاء له دواء وسلاح ،وهو الصبر ،فمن رضي وصبر فله الأجر ومن سخط فله السخط ،قال تعالى
:{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ،وبشر الصابرين ،الذين اذا أصابتهم مصيبة ،قالوا انا لله وانا اليه راجعون ،أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة ،وأولئك هم المهتدون} .


فهذه الدنيا دار بلاء وشقاء ،ومنزل ترح لا فرح ،فجعل الله بلاء الدنيا سبباً لعطاء الآخرة ،وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ،فالله يأخذ ليعطي ،ويبتلي ليجزي ،فقال الله تعالى بحق نبيه ابراهيم عليه السلام : { وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا ،انا كذلك نجزي المحسنين ،ان هذا لهو البلاء المبين } ،وقال كذلك بحق نبيه أيوب عليه السلام : { انا وجدناه صابراً ،نعم العبد انه أواب} ،فسنة الابتلاء قد جرت على من قبلنا من الامم السابقة ،لأن الجنة غالية ولا يستحقها الا من أخلص دينه لله وصدق الله في كل المواطن ،قال تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ،حتى يقول الرسول والذين آمنا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب } ،وان من يتدبر آيات القرآن يجد أن الله تعالى لم يخلقنا ويتركنا عبثاً أو سدى فقال تعالى : { أيحسب الانسان أن يترك سدى} ،وقال أيضاً : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم الينا لا ترجعون } ،فكانت حكمته جل في علاه أن يبتلي العباد ليعلم الصابرين من غيرهم ،فقال في محكم التنزيل : { ولنبلونكم حتى  نعلم المجاهدين منكم ونعلم الصابرين ،ونبلو أخباركم } ،فالمجاهدين والصابرين هم المقصودون في الآية المرقومة ،واذا علمنا الصابرين فان المجاهدين لا تقتصر على المجاهدين في سبيل الله ،بل المجاهدين الذين جاهدوا أنفسهم على الصبر على البلاء ،وجاهدوا أنفسهم على الصبر على الطاعات ،وجاهدوا أنفسهم على ترك المنكرات ،وجعلوا مخافة الله شعارهم ،قال تعلى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } ،وقال كذلك : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ،فحياة الانسان تبدأ الابتلاء والمكابدة منذ بداية خلقه وحتى مماته ،قال الله تعالى : { انا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً } ،وقال كذلك : { لقد خلقنا الانسان في كبد } .


فالناس أمام الابتلاء أصناف ،فقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : ( اذا مات ولد العبد ،قال الله لملائكته : أخذتم ولد عبدي وفلذة كبده ؟ فيقولون نعم ياربنا ،فيقول لهم : وماذا قال عبدي ؟ - وهو أعلم بما قال - فيقولون : حمدك يا رب واسترجع ، - أي قال انا لله وانا اليه راجعون - فيقول الله لملائكته : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة ،وسموه بيت الحمد ) .


فعلى كل واحد منا أن يوطن نفسه على الصبر ،لأن هذه الدنيا دار من لا دار له ،ولها يجمع من لا عقل له ،وان سهام القدر قد تصيبنا على حين غفلة من أمرنا ،وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ،قال تعالى : { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } ،فالصابرين موقنون بنصر الله لهم ،وتأييده لهم ، واكرامه وجزائه لهم الجزاء الأوفى ،فصاروا قادة في الهدى والخير نظير صبرهم ويقينهم ،قال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون } .


ولا عجب بأن الابتلاء يكون اما بالشر أو بالخير ،فابتلاء الشر يكون ظاهراً ،واما ابتلاء الخير فيغفل عنه كثير من الناس ،ويكون بالمال أو الأولاد ،فقال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة ،والينا ترجعون } ،فالمؤمن يتعامل مع الابتلاء بروح ايمانية عالية ، على خلاف ونقيض الكافر أو المنافق ، ولتوضيح هذه الصورة والفرق بين الموقفين ،قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها أخرى ، ومثل المنافق كمثل الأرزة يكون انجعافها مرة واحدة ) .


وعلى المسلم أن يعلم بأنه لاتكون مصيبة ،ولا تكون بلوى الا بفعل المعاصي والذنوب والخطايا والآثام ،فقال صلى الله عليه وسلم : ( حتى الشوكة يشاكها المسلم الا كفر الله بها من خطاياه ) ،وتأكيداً لهذا المعنى يقول الله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة ، فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير } ،ومن رحمة الله تعالى بنا أن جعل هناك أموراً في شرعنا تخفف من الابتلاء ،من أهمها الدعاء ،كما جاء في الحديث الشريف : (ولا يرد القدر الا الدعاء )،وكذلك فان الصبر سلاح المؤمن فقال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } ،وكذلك الصدقات ،فقال صلى الله عليه وسلم : ( داووا مرضاكم بالصدقات ) .