حقوق الانسان في الاسلام

2013-04-09 08:18:00

رام الله-شبكة راية الاعلامية

ناصر القرم - عضو محكمة الإستئناف الشرعية

ان اسلامنا العظيم كان أول من دعا الى حقوق الانسان وأرسى قواعده وقيمه في تاريخ البشرية على أساس من العدل والرحمة، كان ذلك من أجل القيام بمهمة عظيمة وشريفة وسامية، انها الاستخلاف في الارض وعمارتها، قال تعالى :{هو الذي انشأكم من الارض واستعمركم فيها}، سورة هود آية 61 ، وقال كذلك : { واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال اني أعلم ما لا تعلمون }سورة البقرة آية 30 .
هذه العمارة والخلافة والاستخلاف في الأرض تمثل الأمانة الكبرى والمسؤولية العظمى، التي كلف الله عزو جل الانسان بها، فقال تعالى : { انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولاً }، سورة الأحزاب آية 72 .
 

من أجل هذه الغاية استحق هذا المخلوق كل هذا التكريم والتفضيل على سائر الخلائق، قال تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً }،سورة الاسراء آية 70 ، ولا غرابة أن يحسد هذا المخلوق من عدوه الدائم الى يوم الدين، ويرفض السجود له من باب التكريم والتشريف، ويصر ويستكبر عن السجود لهذا المخلوق، ويحاول أن يبرر امتناعه عن السجود ويجتهد بأنه مخلوق من نار وذاك المخلوق من طين ، ولكن لا يسعفه اجتهاده وتبريره لأول معصية تقترف بحق الخالق، ولم تشفع له السيرة السابقة له ولا الدرجة والوسام الذي تقلده، حتى أصبح ينادى بطاووس الملائكة، وهذه المعصية وهي الكبر والاستكبار والتكبر قال الله تعالى عنها في الحديث القدسي : ( العز ازاري والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحدة منهما قصمته ولا أبالي )، ولذلك كانت حكمة الله تعالى أن يكون الجزاء من نفس العمل، فقال صلى الله عليه وسلم : ( يحشر المتكبرون يوم القيامة على هيئة الذر، تدوسهم الخلائق بأرجلها )،ومن مقومات التكريم لهذا المخلوق، أن جعل الله صورته وخلقه في أحسن تقويم، قال تعالى : { لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم }،سورة التين آية 4 ، وهذا الخلق والتصوير في الأرحام، واختلاف الألوان والألسنة، هي آيات من آيات الله تعالى .
 

وحتى يستطيع هذا الانسان بعد التكريم والاستخلاف في الأرض، وحمل الأمانة الكبرى أن ينجح في هذا الامتحان الصعب، والمكابدة الدائمة والابتلاء، وطول الطريق وقلة الزاد، وكثرة المعيقات وقلة السالكين وكثرة المخالفين، فقد رسم له طريق النجاة، وأعطاه سر النجاح والفلاح، فقال تعالى: { ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط }،سورة الحديد آية 25 ، وقال كذلك : { والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان }،سورة الرحمن الآيات 7و8و9 .
 

انها المهمة الكبرى والغاية النبيلة التي بعث بها رسل الله تعالى، انه الكتاب البين، الذي يقوم على ميزان القسط، انه ميزان السماء الذي يقوم على العدل المطلق والرحمة، تلك الصفة التي فقدت من مجتمعنا، ولم تكن عبثاً أن كتب الله على نفسه الرحمة، بل كتبها على عرشه، ( ان رحمتي قد سبقت غضبي )، ولا عجب بأن يصف الله الغاية التي أرسل  نبيه بها فقال تعالى : { وما أرسلناك الا رحمة للعالمين }،سورة الانبياء آية 107 ، فالعدل والرحمة تعد من أعظم القيم الحضارية والانسانية النيبلة .
 

ومن أجل ضمان هذه القيم نجد أن الاسلام قد أرسى ضوابط وقواعد حقوق الانسان، وذلك عن طريق كفالته وضمانته لضروريات الحياة الخمس، وعلى رأسها حق الحياة، فمن أجل هذا الحق فقد حرم القتل، وأوجب القصاص لمن اعتدى على بنيان الله، فقال تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق }، سورة الاسراء آية 33 ، وليس القصاص حباً بالانتقام، بل من أجل الردع والزجر، فالقاعدة الشرعية " ان العقوبات زواجر وجوابر"، فقال تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب }،سورة البقرة آية 179 .


وأما الضرورة الأخرى التي كفلها وحفطها الاسلام، فهي حفظ العقل، فمن أجل ذلك فقد حرم الشرع الخمر والمسكرات، وجعل ما أسكر كثيره فقليله حرام، وجعل العقل مناط التكليف، فاذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، وسمى العقل حجراً، لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب المعاصي والذنوب والخطايا، فقال تعالى : { هل في ذلك قسم لذي حجر }،سورة الفجر آية 5 .
 

وأما الأمر الثالث الذي كفله الشرع، فهو حفظ النسل، فمن أجله حرم الاسلام الزنا و السفاح، وشرع الخطبة والنكاح، وذلك من أجل تكوين أسرة نقية طاهرة، ومجتمع مترابط بوشائج شرعية، وأسماء حقيقية بعيدة عن الجاهلية العمياء، فقال تعالى : { أدعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله، فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم }،سورة الأحزاب آية 5 ، لذلك صار نظام الأسرة في الاسلام يبدأ بالزواج الشرعي، لتنشأ العلاقات الأسرية بين أفراد المجتمع، التي تقوم على اختيار النسب، فقال صلى الله عليه وسلم : ( تخيروا لنطفكم فان العرق دساس )، وان هذه العلاقة بحاجة الى طول وقفة وتفكير، فمن وفق فيها عاش حياة سعيدة بالايمان، ومن لم يحسن الاختيار وتجاوز قواعد الشرع فيها، عاش حياة النكد، ان تحمل عليه يلهث أوان تتركه يلهث، فقال الله تعالى عن هذه العلاقة : { وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً}،سورة الفرقان آية 54 .
 

وأما الحق الرابع الذي كفله الاسلام فهوحفظ المال، لأن المال يشكل عصب الحياة، وهو من الشهوات التي زين الله تعالى حبها للناس، فمن أجل حفظه وحمايته حرم الاسلام السرقة، بل وأوجب حد قطع يد السارق، وكي لا يكون المال دولة وحكراً بين الأغنياء، فقد أوجب الاسلام وفرض الزكاة، ودعى الأغنياء الى التصدق على الفقرا، فقال تعالى : { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم }،سورة الذاريات آية 19 ، وهذه الزكاة والصدقات التي أمر بها الأغنياء لتعطى للفقراء، ليست ضريبة أو غرامة، بل من أجل طهارة المال والنفوس، فقال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }،سورة التوبة آية 103 ، ومن أجل المحافظة على طهارة المال والقلوب، فقد حرم الاسلام الربا والغش، وحذر من التبذير، بل دعى للوسطية، فقال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسوراُ }،سورة الاسراء آية 29 .
 

وأما الضرورة الخامسة والأخيرة التي كفلها الاسلام وضمنها فهي حفظ الدين، فهذا الحق كفلته الشريعة الغراء لكل البشر، وكانت القاعدة العامة في الاسلام كما قال تعالى : { لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى }، سورة البقرة آية 256 ، فمن أجل هذه الضرورة فقد أوجب الاسلام حد الردة، وحرم الانتحار، والذي يؤكد كل ما سبق ذكره، هو ما قاله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : ( فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه )، والمسلم كما نعرفه، من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمن الناس مكره وغدره، والمهاجر من هجر ما نهى الله ورسوله عنه.
 

وان تاريخنا الاسلامي على امتداده، قد حفل بالمواقف المضيئة والمشرفة، التي تعتبر مرجعاً للعالم أجمع في مجال حقوق الانسان، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، التي كانت قائمة على النصح والنقد البناء، فلا ننسى في هذا المجال الخليفة عمر رضي الله عنه، عندما ولي الخلافة وقف على المنبر قائلاً : " أيها الناس لو رأيتم في اعوجاجاً فقوموني"، فوقف أعرابي وقال له : " والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بحد سيوفنا"، وهذا ما أكده خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابو بكر الصديق رضي الله عنه، قال للناس عندما ولي الخلافة : " أيها الناس اني قد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، ولا خير فيكم ان لم تقولوها، ولا خير فينا ان لم نسمعها، وان القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وان الضعيف فيكم عندي قوي حتى آخذ الحق له".
 

هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي كانت قائمة على حفظ كرامة الانسان، وحفظ جميع حقوقه التي كفلها له، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وأما عن الحقوق العامة التي للمسلم على أخيه المسلم فهي : السلام عليه اذا لقيته، واذا استنصحك أن تنصح له، واذا دعاك أن تلبي دعوته، واذاعطس فحمد الله أن تشمته،واذا مرض أن تعوده، واذامات أن تشيعه،واذا كان من الجيران فله حقوق أخرى، واذا كان ضيفاً فله حقوق خاصة، واذا كان  ذا رحم فله حقوق أخص، واذا كان عالماً فله حقوق أخص من الخصوص، وهكذا.  


فاذا كانت هذه صورة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فلا عجب أن نرى خليفة المسلمين والقائد الأعلى لهم ينام تحت شجرة، في احدى الفيافي، قد التحف السماء، دون حراسة أو مرافقين، وقد توسد حذاءه بكل بساطة وأمان ومن دون تكلف أو أمن مسبق، ليكون الجواب من أكبربعثة دبلوماسية دولية ، انه سفير ورسول عظيم الروم الذي قال معقباً على هذا الموقف :"حكمت فعدلت فأمنت فنمت" أجل انه القائد والقدوة، وهو المعلم والاستاذ والحكيم والخبير، انه أحد خريجي الأكاديمية المحمدية، أحد العمرين الفاروق ناصر هذا الدين، حينما بكى على أحد المواقف، قال له أحد الصحابة - رضي الله عنهم - "عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا".