مرسي امام خيارين صعبين: إما انهيار الاقتصاد او خفض الاعانات ومواجهة اضطرابات واسعة
رام الله - شبكة راية الاعلامية:
نشرت صحيفة "لوس انجليس تايمز" اليوم الاثنين تحقيقاً عن المخاوف من اندلاع اضطرابات واسعة النطاق في مصر اذا ما عمدت حكومة الرئيس محمد مصري الى خفض الاعانات لاسعار السلع الاساسية كالوقود والخبز تلبية لكلب المؤسسات الدولية التي يمكن ان تعطي مصر قروضاً بمليارات الدولارات. ويقول التحقيق ان الباعة في مصر يشكون من ان مبيعاتهم قلت في عهد الرئيس مرسي. ويشير كاتب التحقيق جيفري فليشمان الى ان انتشار الجريمة وتكرار انقطاع التيار الكهربائي يلقيان بظلال قاتمة على منطقة عشوائية بالقرب من الاهرام، وان الامور قد تصبح اسوأ عندما تبدأ التخفيضات المتوقعة في اسعار الوقود والخبز. وهنا نص التحقيق:
"تنفست المرأة التي كانت تحمل صناديق طماطم (بندورة) غير مباعة وسط ضجيج الحياة في المنطقة الشعبية المتداعية: اي صرير مصاريع النوافذ، ونقنقة الدجاج، وقطع الغسيل المرفرفة، وجلبة باعة الخردة.
ولكن الانغام المتأصلة لم تؤد الا الى اثارة غضب حميدة علي محمد التي جلست في زقاق بجانب ميزانها وكوم نحيف من 12 قطعة نقد معدنية تعادل قيمتها دولارين كسبتها من عمل يوم في بسطة الخضار التي ورثتها من زوجها الراحل.
صرخت وهي تنادي امرأة مارة: "ايه، لماذا تشترين هذه الطماطم من احد آخر؟". وجاء الرد غير المعتذر: "لأن سعرها ارخص".
وعضت حميدة شفتها وهزت برأسها.
قالت وهي تكش ذباباً بينما كانت جالسة الظل: "انني اربي يتامى، ولا مال عندي. لا شيء. الرئيس فعل ذلك بنا. لم يحسن الامور".
الحياة قاسية منذ زمن طويل في بولاق الدكرور، وهو حي يقطنه العمال، والخياطون والميكانيكيون محشور بين خطوط السكك الحديد والاهرام. ولكن الوجوه التي كانت باسمة في وقت من الاوقات صارت متجهمةً في اجواء الجريمة، ونقص الوقود، وانقطاعات التيار الكهربائي، والسوق السوداء والاعباء الخاصة التي يهمس بها الناس في الشوارع الضيقة الحافلة بعربات التوك توك وشبان افقر من ان يستطيعوا الزواج.
النقمة مرتفعة والسلام نادر في انحاء مصر. ثاثة لصوص في دلتا النيل ضربوا في الآونة الاخيرة حتى الموت، ثم شنقوا، في فورة لاحقاق العدالة خارج نطاق القانون صارت راسخة بسبب تراجع هيبة الشرطة ووجودها. ويتجمع رجال ملثمون باقنعة كالتي تظهر في الافلام ومسلحون بسيوف في الشوارع وينادون بثورة جديدة ويطلقون شعارات ضد محمد مرسي الرئيس الاسلامي الذي تحول الى حاكم مستبد وصار موضع ازدراء الشعب.
يواجه مرسي تحدياً خطراً في انقاذ اقتصاد منهار قبل ان تفلس مصر وتغرق في اضطرابات واسعة النطاق. وتنحدر قيمة عملة البلاد، وتتبخر احتياطيات العملات الاجنبية، وارتفع التضخم لدرجة ان عائلات كثيرة مضطرة لانفاق نصف دخلها على الطعام. وبالنظر الى خشية الحكومة من فورات تمرد جديدة، فقد تجنبت اتخاذ تدابير التقشف العميق اللازمة للتأهل للحصول على قروض دولية بمليارات الدولارات.
ويتوقع خفض الاعانات هذه السنة على الوقود وسلع اخرى، بما فيها الخبز (العيش) والتي طالما مثلت العروة الوثقى بين الحكومة والشعب. وكان الرئيس السابق انور السادات قد اشعل اضطرابات قاتلة في سبعينات القرن الماضي عندما اقدم على خفض الاعانات لسعر الخبز. وسرعان ما تراجع عن ذلك. وفي 2008، استدعى خلفه، الذي اطيح به بعدئذ حسني مبارك، الجيش لكي يخبز الارغفة للتخفيف من حالات النقص الناجمة عن الفساد وارتفاع اسعار القمح.
قالت بائعة الخضار حميدة: اذا صار الخبز اغلى، سيذبح الناس بعضهم بعضاً اكثر من الآن. طوابير الخبز في الصباح الباكر تمتد من هنا الى تقاطع سكك الحديد. تنهض في الخامسة صباحاً لتقف لكي تطعم اطفالك. هذا ما آلت اليه حالة مصر الآن".
اعلن مرسي ان الدولة ستقنن الخبز لتقلص الاعانات هذا الصيف. ومصر اكبر مستورد للقمح في العالم، ولكن الطحين ما زال يكلف الخبازين المتعاقدين مع الحكومة اقل من دولارين للكيس الذي يحتوي على 100 رطل انكليزي (حوالي 45 رطلاً). ومن المحتمل ان زيادة تلك الكلفة حتى تستطيع الحكومة خفض ديونها وتسديد فواتير الموردين الدوليين سترفع سعر الخبز بالنسبة الى ملايين العائلات الفقيرة، وتؤدي الى تسريح عمال من المخابز وتقوي سوقا سوداء تنفق فيها مخابز خاصة الآن ما يصل الى 20 دولاراً على كيس طحين.
قال مصطفى محمود، وهو صاحب فرن مستقل: "كانت هذه دولة بوليسية قبل الثورة، ولكن صناعة الخبز كانت شغالة على الاقل. الآن لا توجد رقابة، ولا قانون. لا نعرف ماذا يجب ان نفعل. كل ما اعلمه هو ان هذه حكومة فاشلة ورئيس فاشل".
والفساد مثل الفقر ظل منذ فترة طويلة جزءا من صنع رغيف العيش. فاكثر من 40 في المائة من المصريين يعيشون على دولارين اثنين في اليوم، ويدفعون حوالي بنس لرغيف العيش. لكن اصحاب الافران، ومعظمهم لا ينتجون الا نسبة اقل من الارغفة، ويتهمون الحكومة بانها مدينة لهم بـ60 مليون دولار من اصل المعونات التي لم تدفعها في وقت شح فيه الحصول على وقود الديزل الذي تعمل به الافران مما يسبب الضرر للتجارة.
قال السيد احمد غريب، وهو صاحب ملحمة يدرك بعمق التشابكات التجارية في الحي ان "الافران الحكومية لا تستهلك جميع ما لديها من الدقيق. فهم يتوقفون عن العمل في وقت مبكر حتى يتمكنوا من بيع الدقيق في السوق السوداء. اذ يقومون بتحميلها في عربات الـ"توك توك" وينطلقون بها الى اماكن بعيدة. لا يهمهم ما يصيب الفقراء. كل ما يلهثون وراءه هو الربح. فنوعية رغيف العيش سيئة بالفعل".
وامسك بيده رغيفين اعجفين.
وقال "لم يخبزا بشكل كاف، وينقصهما الدقيق والخميرة. انهما بلا طعم".
ووجه نظره نحو زقاق انتشر فيه ريش الدجاج والقطط الجائعة.
وقال: "هذا زمن سيء بالنسبة الى مصر. والاحتجاجات ضد الحكومة تخلق مشاكل. فعندما يشاهد الجمهور الاحتجاجات على شاشات التلفزيون، يمتنعون عن الحضور. ليس هناك سياحة. وليست لدينا دولارات. لا بد ان يلتزم الناس الهدوء. اذ لا يمكننا هذه الايام ان نحدد الفرق بين الثوري والبلطجي او الحرامي. فكلهم سواء".
ويسير الرجال والاولاد كالخيالات عند الزاوية مرورا بلهيب فرن مخبز سمير صبري.
صبري، الذي يرى انه مضطر ان يخفض اجور عماله الى النصف الى مبلغ 5 دولارات مقابل نوبة العمل 12 ساعة "خطط الحكومة غير مفيدة لابناء الشعب. واذا بدأ تخفيض هذه المعونات فستندلع الاضرابات. وليست هناك اعمال اخرى. فانا احمل دبلوما حرفيا، لكنني منذ الطفولة وانا اعمل في خبز العيش".
وتباطأت حركة الهواء، وبدأ العاملون في الفرن يتصببون عرقا.
ارتكزت السيدة حميدة محمد على حائط من الطوب، وقد امتلأت الصناديق بالطماطم والبصل والفلفل، وتناثرت دلاء الفضة حول ميزانها. وقالت ان اسعار الطماطم هي الاكثر تقلبا في السوق، فالصندوق يباع في احد الايام بـ5.80 دولارا وفي اليوم التالي بـ8.30 دولارا. وحاولت تفسير الاسباب وراء ذلك لكنها فشلت، ولا تعرف الا ان الخضروات التي لا تباع ستصاب بالفساد سريعا.
وقالت "انها تقبع هنا. والكثير منها مصيره القمامة".
وفي الشقة العلوية فوقها، كان هناك من ينظف سجادة بضربها، ليندفع الغبار من احد النوافذ. وظل كيس العيش الذي اشترته السيدة حميدة محمد في وقت مبكر من الصباح عند قدميها. وستحمله معها الى ابنيها في المنزل بعد ان تقفل الكشك، وقد تعطي ابنتيها بعضا منه رغم انهما متزوجتان ومع ذلك فانهما تمران على بيت والدتهما في اغلب الاحيان.
قالت وهي تنظف كفيها بمئزر "كلنا فقراء".
وتكاثر الذباب، وقام احد اصحاب المتاجر برش الارض بالماء خارج باب متجره لمنع انتشار الغبار من الرمال".
المصدر: وكالات