الإحسان إلى الأيتام
بقلم الشيخ : ناصر جبر القرم عضو محكمة الاستئناف الشرعية
الاحسان كلمة جامعة لكل معاني الرحمة والبر والخير، وتقوم عليها الغاية لهذه الرسالة، التي تحمل الأمن والايمان واليقين والاطمئنان للعالمين، انها الرسالة التي لخصت بعثته صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى : { وما أرسلناك الا رحمة للعالمين }، ليخرج الناس من الظلمات الى النور، من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام، ومن ضيق الدنيا الى سعة الآخرة، ولا عجب أن يؤكد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطب أمنا عائشة رضي الله عنها قائلاً لها عندما نهرت الناقة التي تركبها بعصا : ( يا عائشة : ما كان الرفق في شيء الا زانه، وما نزع من شيء الا شانه ).
فاذا كان الرفق مطلوب ومشروع بديننا مع الحيوان، فما بالكم بحق الانسان، وعن أي انسان نتحدث، انه الذي فقد مصدر الرفق والعطف والحنان، ولهذا أجاب الله رسوله ليجيب على من سأل عن الأيتام، فقال تعالى:{ ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير، وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم، ان الله عزيز حكيم}، وقال صلى الله عليه وسلم مادحاً خير نساء قريش :(خير نساء ركبن الابل من قريش، أحناهن على يتيم في صغره، وأرعاهن على زوج في ذات يده) .
فكم هذه الدنيا مليئة بأحزانها وآلامها، والناس يتقلبون بين سرائها وضرائها، ونحن أهل بيت المقدس كما وصفنا صلى الله عليه وسلم في رباط الى يوم الدين، جاء في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم : (ان الله عز وجل سيفتح عليكم الشام، من العريش الى الفرات، رجالهم ونساؤهم واماؤهم في رباط الى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس، فهو في جهاد الى يوم القيامة).
ويترتب على هذا الجهاد والرباط والصمود والثبات، ما لا يخفى على أحد من قوافل الشهداء، وآلاف الأسرى، ولا ننسى ما ترك هؤلاء من أهل وذرية خلفهم، فهم بحاجة ماسة للوقوف الى جانبهم، فقال صلى الله عليه وسلم :(من خلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا، وله مثل أجره).
فاذا كان الأمر على هذا الوجه بحق ذوي الأسرى، فما بالكم بذوي الشهداء الذين فقدوا معيلهم؟ وباتوا يعانون ويلات الظروف وقساوة الحياة، ولا يذكرون الا قليلاً، قال صلى الله عليه وسلم:(من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والاخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، كل ذلك لأن ديننا دين الرحمة والتكافل والتراحم، كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وانه من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. فالأيتام، تلك الشريحة الضعيفة في المجتمع، هي بحاجة الى الحماية و الرعاية و العطف، ليس هذا منة منا أو فضل، بل هو من أوجب الواجبات، وأسمى العبادات، وأفضل القربات والطاعات، فقال تعالى:{وفي أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم}،وقال صلى الله عليه وسلم:( أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله).
ولقد حرص الشرع الشريف، وحث الاسلام الحنيف على الاحسان الى الأيتام، فقال صلى الله عليه وسلم : (من مسح رأس يتيم رحمة، كتب الله له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة، ورفع له بكل شعرة مرت عليها يده درجة، ومحا عنه بكل شعرة مرت عليها يده سيئة )،ولا عجب أن يكون أفضل البيوت عند الله تعالى وأخيرها، هو بيت الاحسان الى الأيتام، وان شر البيوت عند الله تعالى هو البيت الذي يساء فيه الى الأيتام، قال صلى الله عليه وسلم : ( ان خير البيوت عند الله تعالى بيت يحسن فيه الى يتيم، وان شر البيوت عند الله تعالى بيت يساء فيه الى يتيم ).
ولا ننسى أسوتنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي عاش يتيماً، وخاطبه المولى عز وجل وذكره بذلك، فقال له : { ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى }، ومن الجدير بالذكر أن هذا الخطاب من رب العزة لحبيبه رسول الله، ليس من باب المن، بل من أجل اكمال النعمة وتمامها، لا كما قال فرعون لموسى عليه السلام، كما قال تعالى : { ألم نربك فينا وليداً، ولبثت فينا من عمرك سنين }، فهذا من باب الذم والاحباط، ولذلك كان كافل اليتيم من رفقاءه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة الذي قال : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار الى السبابة والوسطى ).
فلم تقتصردعوة الاسلام للاحسان للأيتام والرفق بهم فحسب، بل تلازمت مع التحذير من ايذائهم وأكل حقوقهم، أو خدش مشاعرهم، لذلك كان أكل أموال اليتامى ظلماً باباً من أبواب الكبائر والمحظورات، التي حذر منها الاسلام، فقال تعالى : { ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً انما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً }، وقال كذلك عن الأذى النفسي الذي يجرح شعور اليتيم : { فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر }، وأما من قسى قلبه فأصبح كالحجارة أو أشد قسوة، ووصل به الأمر بأن يدفع اليتيم من أمامه، وافتقد للرفق واللين في المعاملة، وسيطرت عليه الغلظة في القول والفعل، فقال تعالى : { أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين }، فكانت العدالة الالهية بأن يكون جزاء هؤلاء من نفس أعمالهم، فقال تعالى : { يوم يدعون في نار جهنم دعاً }، وقال كذلك واصفاً حال المجرمين : { يعرف المجرمون بسيماهم، فيؤخذ بالنواصي والأقدام } .
وقد تكون كثير من المواقف السيئة التي نتعرض لها في حياتنا، والمهانات والاحراجات على جميع المستويات، وعدم التوفيق في كثير من الأمور مرجعها بسبب عدم اكرام يتيم، أو عطف على مسكين ، أو مساعدة فقير، ودليل ذلك قول الله تعالى : { وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه، فيقول ربي أهانن، كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين }، فهؤلاء لم يكرموا يتيماً، ولم يحضوا على طعام مسكين، فمن أين يأتيهم الاكرام ؟ والجواب من الله تعالى القائل : { ومن يهن الله فما له من مكرم }، فاكرام اليتيم طاعة لله عز وجل، يترتب عليها اكرام الله لعبده، والاساءة الى اليتيم معصية لله عز وجل، يترتب عليها السخط وعدم الرضى وعدم التوفيق من المولى عز وجل .
وهناك موقف آخر مشرف يستحق الذكر والثناء والاشارة، انه موقف أهل الايمان، فقال تعالى مادحاً لهم : { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً } .
ومن كان يبحث عن دواء لقساوة القلب، وعدم ادراك الحاجات وتيسير الأمور، والتوفيق في الأعمال، وادراك الرضى، فعليه أن يأخذ الوصفة الطبية النبوية التالية :
قال صلى الله عليه وسلم : ( أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم التيم، وامسح على رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك)، وقال أيضاً في حديث آخر : ( داووا مرضاكم بالصدقات ).
واذا كان الاحسان الى اليتيم أو الفقير أو المسكين ذا صلة وقرابة، فلك الأجر مضاعف، أجر الاحسان وأجر صلة الرحم، فقال تعالى تأكيداً لهذا : { للأقربين بالمعروف حقاً على المتقين }، وقال كذلك : { يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة } .
وكأني بذلك الموقف المهيب، يوم ينادي المنادي على رؤوس الأشهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم : (ينادي مناد يوم القيامة لكل يتيم من أيتام المسلمين، يقال له أنظر بين الخلائق، الى من أطعمك طعمة، أو أشربك شربة، أو كساك كسوة، خذ بيده وادخلا الجنة ) .
ولا ننسى قصة ذاك اليتيم الذي تخاصم في عذق نخلة بينه وبين جاره أبولبابة، فقضى صلى الله عليه وسلم بالعذق لأبي لبابة، فبكى اليتيم على عذق النخلة، فانفطر عليه قلب رسول الله، وقال لأبي لبابة : ( أعطه النخلة ولك مثلها في الجنة، فأبى أبو لبابة ذلك، وكرر عليه رسول الله الأمر فأصر على موقفه، واذا بأبي الدحداح يختطف الموقف، ويلتقط الجائزة، فقال لرسول الله : اذا أعطيته نخلة من حائطي ألي مثلها في الجنة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم، فعرض حائطه على أبي لبابة، وفيه ستمائة نخلة وبئروقصر، مقابل نخلة صغيرة، فقبل أبو لبابة بذلك، وكانت زوجة أبو الحداح تجمع النوى الساقط من النخل، فقال لها ألقي ما بيدك فقد بعناه بنخلة في الجنة، فألقت التمر من يدها وقالت : ربح البيع ان شاء الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وقال رسول الله معقباً على هذا الموقف الايماني : ( كم عذق لواح في الجنة لأبي الدحداح ).
كل ذلك ارضاءً لله ولرسوله، واكراماً لذاك اليتيم الذي بكى بحضرة رسول صلى الله عليه وسلم، ولولا أن دمعة اليتيم غالية على رسول الله، وعلى صحابته الكرام، لما كان ثمنها حائط نخل مغروس فيه ستمائة نخلة قد طاب رطبها، ولكن التجارة لم تكن في سوق مكة ولا المدينة ولا الشام، بل كانت كما قال تعالى : { قل ماعند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين }، فأين تجار هذا الزمان؟ وأصحاب الثروات، الذين لا يؤدون حق الله فيها، أم أنهم اطمأنوا للدنيا وزخرفها، فنقول لهم ما قال الله تعالى :{ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم بالخيرات، بل لا يوقنون }.