إلى ياسر عرفات
بقلم: رامي مهداوي
تحية طيبة وبعد، أتمنى أن لا أزعجك يا قائدنا، أتمنى أن تكون راقداً بسلام وأمان على الرغم من نبشهم قبرك قبل فترة، أتمنى أن لا نعكر صفو فردوس احلامك في كوابيس واقعنا الذي تراقبه .. أبناؤك المخلصون يتمنون صباح كل يوم بأنك لم ترحل... بالرغم من قناعتنا بأنك لم ترحل كما رحل الآخرون وكما سيرحل الآخرون. نتمنى لو أنك.... ونتمنى لو أعلمتنا... ونتمنى لو استطعت... ونتمنى لو أجبتنا... ونتمنى لو أفهمتنا... أتمنى أن احقق جزءا من أمنياتك لأن إيماني بانتمائي رحل برحيلك، لأنك كنت العقيدة الأساس لها. كنت تسمع لنا كما يسمع الختيار لأبناء أبنائه، نتشاجر أمامك وتصالحنا، نختلف معك أمامك وجهاً لوجه تداعب صخبنا بابتسامه... كلمة.. تضرب الطاولة.. تقذفنا بكلمات... تحتضنا.. ترشقنا بقبلاتك... ترفع النصر فيرفعك له... لنرتفع شعباً وقضية فنقول أينما كنّا في العالم لمن لا يعرفنا فلسطين.. القدس.. الكوفية .. ياسر عرفات.
"لو أبو عمار عايش" هكذا نقول عند أي مشكلة.. خلاف... قضية... صراع...طوشة تواجهنا، وكأننا أدمنا حلولك مهما كانت، أصبحنا مدمنين لك كما أنت، فأنت صاحب عصا موسى وقميص يوسف، أصبح الإيمان معك له معنى وبرحيلك يبدو اننا ضللنا، فماذا سيفعل أخوة يوسف بالقميص! كنت تقرأ لنا مقتطفات من كل الكتب السماوية وحتى هذه اللحظة لم نعرف من هو يهوذا الاسخريوطي!. هل حبك ينتقل عبر الجينات؟ ابني خطاب عندما رأى صورتك أول مرة في حياته صاح "سيدو"، وعندما آخذه الى ضريحك يقول "سيدو عرفات"، وعندما يكون معي بالسيارة بجانب المقاطعة يقول "سيدو عرفات" فهل أرادوا عينات من دمك لفحص من هو القاتل؟ ليأخذوا عينة من دم أي طفل فلسطيني ليعرفوا من هو قاتل"سيدو"، جميعاً نموت كما هو موتك، نعم تعددت الأسباب والموت واحد.... برحيلك تعدد الفتحاويون والقائد ما زال ياسر .. تكاثر الفلسطينيون والاب ما زال ياسر.
أبعث لك هذه الرسالة وأنا في جدل مع ذاتي، أضع العديد من الأسئلة التي كنت أعتبرها محرمة لأن الانتماء أكبر من كل سؤال، وبفقداننا لك وما رافق ذلك من تبعات بدأت أفقد إيماني الذي رضعته، أسئلة كثيرة تعصف بعقلي يميناً ويساراً، لست وحدي من تعصف به الأسئلة التي كانت محرمة!! أصبح العديد من أبنائك جيش منسي يتنفسوا التاريخ والماضي لهم هو أصل الحكاية... الماضي لهم هو الهروب من الحاضر، فأجد نفسي أغرق بالماضي الجميل لكتيبة الجرمق _السريّة الطلابية_ أغوص بالتاريخ تتفق معه تختلف معه كان لنا هدف واضح، نستخدم كل الوسائل من أجل تحقيقه من غصن الزيتون وحتى البندقية، أما الآن فقد أصبحنا الإخوة الأعداء... شعب عدو ذاته.. فتح ضد حماس وبالعكس... اليسار منقسم على ذاته لذاته، الشباب ينتظرون أقرب فرصة للهجرة، أدوات النضال بكافة اشكالها دمرت بأيدينا، أصبح النضال العسكري غير مشروع ونحاسب أنفسنا بأنفسنا، والنضال السلمي ينتظر التمويل وبعض القيادات للتصوير، وإن طرحت قضيتك في المنابر الدولية بوجود المحتل فهناك شبهات عليك، وإن تحدثت لمجتمع القاتل لتقول له بأن الضحية تموت الف مرة باليوم بسبب الاحتلال فأنت مطبع، ومن يستهلك تعليم وبضائع الآخر لا حول ولا قوة لا بديل!! ومن يتاجر باسم الوطن قائد، ويحاسب الجائع إذا ما أراد أن يأكل بأنه فاسد، والشاب إذا انتحر بسبب الفقر كافر، من يخطب يوم الجمعة ليمدح الوالي فهو شيخ المجاهدين، والمريض إذا مات بسبب نقص الدواء أو خطأ ما قضاء وقدر، وتضيع المعاني الى معاني أخرى لا نفهمها لنجد من يبرر ذلك بأنه لا يوجد شيء ثابت.
قبل أن ترحل بعيداً عنّا، طرحت المؤسسات الأهلية المختلفة من جامعات ونقابات وجمعيات، وحتى الأحزاب سؤالا: ماذا بعد عرفات؟ وهو سؤال شرعي. لكن المثير للانتباه نحن الآن في زمن ما بعد عرفات، والأشخاص الذين طرحوا هذا السؤال هم وحدهم الذين يتمسكون بمقاعدهم بمختلف القطاعات: الخاص، العام، الأهلي. بل تجد كلا منهم رئيس في مكانه ويتعامل بأنه الزعيم الخالد ويمنع الجدال أو النقاش في أي رأي كان، وباسم الشفافية يسرقون، وباسم الوطن يتاجرون، وباسم تاريخهم يصرحون ما يشاؤون، أما أبناؤك عليهم السمع والطاعة وإلا فأنت خارج السرب وبالتالي التهمة جاهزة والفتاوى جاهزة بحقيبة شيخ المجاهدين.
والدي أبو عمار، لم يبق لنا سوى الماضي لكي يصبرنا على معتقداتنا وإيماننا، كل يوم أكفر بهما وأستيقظ من كفري عند مشاهدة أي صورة لك أو سماع كلماتك في الزمن الجميل... ليتضح إيماني بأني عرفاتي، ووطني ما زال موشحا عرفاتي .. وابنائي الذين ولدوا وسيولدون هم ليسوا إلا عرفاتيون.