"قضايا في المواطنة"
الكوتا النسوية في الانتخابات المحلية.. بين النص القانوني وحق التمثيل العادل
خاص - راية
في حلقة جديدة من برنامج "قضايا في المواطنة" الذي يبث عبر شبكة "رايــة" الإعلامية، نوقش ملف "الكوتا النسوية في الانتخابات المحلية: بين النص القانوني وحق التمثيل العادل"، في ظل التعديلات الأخيرة على قانون انتخابات الهيئات المحلية، وما أثارته من جدل قانوني وسياسي ومجتمعي حول مدى إنصافها للنساء الفلسطينيات وضمان مشاركتهن العادلة في مواقع صنع القرار المحلي.
واستضافت الحلقة ثلاث شخصيات مختصة، هم: جهاد حرب مستشار الرصد والسياسات في مؤسسة REFORM، د. طالب عوض خبير في الشأن الانتخابي، ود. نجاة أبو بكر رئيسة مجلس إدارة جمعية كنعانيات، حيث قدم كل منهم قراءة معمقة من زاويته الخاصة، بين القانون والسياسة والمجتمع.
تعديلات قانونية مثيرة للجدل
في مستهل النقاش، أوضح جهاد حرب أن قانون انتخابات الهيئات المحلية شهد مجموعة واسعة من التعديلات. إلا أن الحلقة ركزت بشكل أساسي على المادة (20) المتعلقة بالكوتا النسوية.
وبيّن حرب أن هذه المادة تحدد نسب تمثيل النساء في المجالس المحلية بشكل متباين حسب عدد المقاعد، بحيث لا تقل عن: مقعدين في المجالس التي تضم 9 مقاعد (بنسبة تقارب 22%)، ثلاثة مقاعد في المجالس ذات 11 مقعدًا (نحو 27%)، أربعة مقاعد في المجالس التي تضم 13 مقعدًا (نحو 31%)، وأربعة مقاعد أيضًا في المجالس ذات 15 مقعدًا (حوالي 27%).
وأشار حرب إلى أن هذه النسب تخالف صراحة قرارات المجلس المركزي الفلسطيني (2015) والمجلس الوطني الفلسطيني (2018)، التي نصت بوضوح على ألا يقل تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة عن 30% كحد أدنى، وصولًا إلى المساواة الكاملة بين الجنسين.
وأكد أن الإشكالية لا تكمن فقط في الأرقام، إنما في الرسالة السياسية، موضحًا أن عدم الالتزام بهذه القرارات يعكس تناقضًا في أداء النظام السياسي الفلسطيني، الذي يطالب المرشحين بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، بينما لا تلتزم الحكومة ذاتها بجزء جوهري من هذا البرنامج المتعلق بالعدالة الجندرية.
الكوتا النسوية: ممر إجباري لا غنى عنه
من جانبه، قدّم د. طالب عوض قراءة تاريخية لمفهوم الكوتا النسوية في فلسطين، مشيرًا إلى أن القضية طُرحت منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها لم تُعتمد فعليًا في أول انتخابات للمجلس التشريعي عام 1996، حيث لم تفز سوى خمس نساء من أصل 88 عضوًا، بنسبة لم تتجاوز 5.7%.
وأوضح عوض أن التحول الحقيقي جاء مع تعديل قانون الانتخابات عام 2005، الذي أدخل نظام التمثيل النسبي والكوتا النسوية، ما أدى إلى فوز 17 امرأة في انتخابات 2006 عبر القوائم، مقابل غياب كامل للنساء عن الدوائر الفردية، وهو ما كشف أهمية الكوتا كآلية تصحيحية.
وبخصوص الانتخابات المحلية، أشار إلى أن التعديلات الجديدة تمثل تحسنًا نسبيًا مقارنة بالقانون السابق، لكنها لا تزال دون الطموح، خاصة في المجالس القروية ذات التسعة مقاعد، حيث لم يطرأ أي تغيير فعلي على نسبة تمثيل النساء.
وأكد عوض أن الكوتا ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة انتقالية لتعزيز المشاركة السياسية للنساء، داعيًا الأحزاب والقوائم الانتخابية إلى تجاوز الحد الأدنى الذي يفرضه القانون، ورفع نسبة النساء طوعًا في قوائمها.
كما حذر من أن النظام الانتخابي الجديد، القائم على التصويت المباشر للأفراد، قد يؤدي إلى فوز نساء بعدد ضئيل من الأصوات، ما يضعف تأثيرهن داخل المجالس، مطالبًا بحملات توعية تحث الناخبين على تخصيص جزء من أصواتهم للنساء لضمان تمثيل نوعي لا شكلي.
الواقع المجتمعي: العقبة الأكبر
أما د. نجاة أبو بكر، فقد نقلت النقاش إلى بعده المجتمعي، معتبرة أن الكوتا النسوية، رغم أهميتها، تبقى «ممرًا إجباريًا» لا يكفي وحده ما لم يُرافق بتغيير عميق في الثقافة السائدة.
وأوضحت أن النساء، خاصة في المناطق القروية والنائية، ما زلن يواجهن نظرة تقليدية تعتبرهن مكملات لا صانعات قرار، مشيرة إلى أن كثيرًا من النساء لا يملكن حرية القرار في الترشح أو ممارسة دورهن داخل المجالس، حتى بعد فوزهن.
وسردت أبو بكر تجارب ميدانية من زياراتها للمناطق المهمشة، حيث اكتشفت نساء يمتلكن قدرات عالية لكنهن مهمشات أو غائبات عن المشهد، أحيانًا بسبب الفقر، وأحيانًا بسبب هيمنة القرار العائلي والعشائري، مؤكدة أن التمكين الاقتصادي يشكل المدخل الأساسي لتمكين المرأة سياسيًا.
وانتقدت ممارسات بعض المجالس التي تدرج النساء في القوائم فقط لاستكمال النصاب القانوني، ثم تُقصيهن فعليًا عن العمل، معتبرة أن ذلك يعيد إنتاج الإقصاء بصيغة قانونية.
وشددت على ضرورة إطلاق حملات إعلامية وتوعوية شاملة، موجهة للرجال والنساء معًا، لتفكيك الصور النمطية، مؤكدة أن النساء أقل انخراطًا في الفساد، وأكثر التصاقًا بقضايا المجتمع اليومية، بحكم دورهن الاجتماعي والأسري.
خيارات المواجهة القانونية والسياسية
وفي معرض حديثه عن سبل تعزيز تمثيل النساء، طرح جهاد حرب ثلاثة خيارات رئيسية أمام الحركة النسوية الفلسطينية:
القبول بالمادة (20) كما هي، باعتبارها تحسنًا نسبيًا، رغم تعارضها مع قرارات المجلسين المركزي والوطني.
بناء تحالف نسوي–مجتمعي للضغط من أجل تعديل المادة ورفع الكوتا إلى 30%، مستندًا إلى وحدة موقف المجتمع المدني، مع الإقرار بصعوبة تحقيق ذلك في الوقت المتبقي قبل الانتخابات.
الطعن بعدم دستورية المادة (20) أمام المحكمة الدستورية، استنادًا إلى اعتبار قرارات المجلس الوطني ووثيقة إعلان الاستقلال جزءًا من المنظومة الدستورية العليا، وإلى التناقض بين إلزام المرشحين ببرنامج منظمة التحرير وعدم التزام الحكومة به.
ورجّح حرب الخيار الثالث، معتبرًا اللجوء إلى القضاء الدستوري وسيلة حضارية للدفاع عن الحقوق السياسية للنساء.
ما بعد الكوتا: إصلاح أعمق مطلوب
في ختام الحلقة، أجمع الضيوف على أن الكوتا النسوية، رغم ضرورتها، لا يمكن أن تحقق العدالة الانتخابية وحدها، ما لم تترافق مع: تمكين قانوني ومؤسسي حقيقي للنساء، تغيير في الثقافة المجتمعية السائدة، دور فاعل للإعلام والمجتمع المدني، والتزام سياسي صريح بقرارات المساواة والعدالة الجندرية.
وأكدت د. نجاة أبو بكر أن التحول الحقيقي يبدأ بتغيير العقول، لا بالنصوص فقط، داعية النساء إلى خوض غمار العمل العام بثقة، وعدم الخوف من المواجهة، لأن المجتمع – كما قالت – لا يتغير إلا بمن يجرؤ على اقتحام الميدان.
تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.
فيما يلي الحلقة كاملة: اضغط هنا

