خاص| "ليست مجرد أطراف.. بل حياة"… حين يصنع طبيبٌ الأمل لجرحى غزة
في غزة، حيث تتكاثر حكايات الفقد كما تتراكم الأنقاض، تولد قصص أخرى من رحم الألم. قصص عن أيدٍ تحاول أن تعيد ما سلبته الحرب، وعن أقدامٍ مبتورة تبحث عن فرصة جديدة للمشي.
ومن بين الركام، يقف اختصاصي الأطراف الصناعية محمد عبد المجيد الخالدي، حاملاً رسالة إنسانية لآلاف الجرحى الذين غيّرت الحرب مسار حياتهم.
فمنذ خمسة عشر عاماً يعمل محمد عبد المجيد الخالدي في مجال الأطراف الصناعية، لكن السنوات الأخيرة كانت الأثقل. يقول إن الحروب المتعاقبة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، خلّفت أعداداً غير مسبوقة من حالات البتر، تُقدّر بآلاف الحالات، ما بين سبعة إلى أحد عشر ألف مصاب في محيط غزة وحدها.
يرى الخالدي في عمله “واجباً إنسانياً ووطنياً”، ويؤكد أن الحدّ الأدنى الذي يمكن تقديمه هو إعادة القدرة على الحركة لمن فقدها. لذلك يقدّم خدماته مجاناً بالكامل، في ظل أوضاع معيشية قاسية تجعل معظم المصابين غير قادرين على دفع أي تكلفة.
لا يقتصر دوره على تركيب الطرف الصناعي فقط، بل يبدأ المشوار من جلسات العلاج الطبيعي، وتهيئة المريض جسدياً ونفسياً قبل التركيب. يقول: “تركيب الطرف لا يعني أننا وضعنا قطعة ميكانيكية وانتهى الأمر… نحن فعلياً نعيد الإنسان إلى الحياة. نعيده إلى عمله، إلى أطفاله، إلى قدرته على الاعتماد على نفسه”.
ويضيف أن المريض بعد تركيب الطرف يستطيع أن يخرج لقضاء حاجاته، أن يشتري دواءً لأطفاله، أن يتحرك دون أن يشعر بأنه عبء على أحد. “الطرف الصناعي ليس مجرد جهاز… هو حياة كاملة تعود لصاحبها”.
لكن الطريق ليس سهلاً. نقص المواد الخام، وصعوبة إدخال التقنيات الحديثة، ودمار العيادات خلال القصف، كلها تحديات يومية.
إحدى العيادات دُمّرت بالكامل، وأخرى باتت تضيق بأعداد الحالات المتزايدة، ما يدفعه للتفكير في إنشاء مركز أوسع يضم عيادات للأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي وتأهيل الأطفال.
من بين المستفيدين من هذه المبادرة، يروي الجريح حافظ صالح عبد العالم حكايته. أصيب في رفح بعد قصف استهدف منطقة الجنينة، ما أدى إلى بتر قدمه. بعد الإصابة، بدأت رحلة معاناة طويلة: نزوح، نقص علاج، غياب خدمات التأهيل، وشعور ثقيل بالعجز.
يقول حافظ إن أكثر ما كان يؤلمه ليس الألم الجسدي، بل شعوره بأنه غير قادر على حماية أسرته. “في أوقات الإخلاءات والقصف، لا تستطيع أن تتحرك بسرعة… تحتاج لمن يسندك. تشعر أنك عبء على زوجتك وأطفالك”.
ويتابع: “لما بدأنا العلاج الطبيعي، ثلاث جلسات أسبوعياً، شعرت أن الحياة تعود تدريجياً. الدكتور محمد لم يعطنا علاجاً فقط، بل أعطانا أملاً. هيّأنا نفسياً أننا سنركّب طرفاً، وأننا سنمشي من جديد”.
يتحدث حافظ عن فرحة طفله الصغير الذي ينتظر اليوم الذي يرى فيه والده يمشي بطرف صناعي “مثل بقية الناس”. يقول: “ابني مبسوط إنه بابا رح يمشي ويحمله من جديد… هذا الأمل وحده يكفي”.
بالنسبة له، الطرف الصناعي ليس مجرد وسيلة حركة، بل وسيلة أمان. “لما أركّب الطرف، أستطيع أن أتحرك بنفسي وقت الخطر، أن أخرج من مكان القصف إلى مكان آمن، أن أحمي عائلتي بدل أن أكون حملاً عليها”.

