تصادف غدا الذكرى الثانية والعشرين للإنتفاضة الأولى
راية نيوز: وفا - يحيي شعبنا الفلسطيني غدا، ذكرى اندلاع انتفاضة 1987 التي وحّدت فلسطينيي الوطن المحتل يوم التاسع من كانون أول- ديسمبر 1987 في هبة جماهيرية عارمة في وجه الاحتلال.
وبهذه المناسبة اعد مركز المعلومات الوطني في وكالة الأنباء الفلسطينية 'وفا' التقرير التالي:
قام الشعب الفلسطيني خلال تاريخه الحديث بسلسلة من الهبات الجماهيرية الهادفة إلى رفع الظلم وتحقيق أمانيه بالتحرر والاستقلال، وكانت هذه الهبات الشعبية تقوم عادة ضد الغزاة والمحتلين، تندلع حين يشتد الظلم وتهدر الكرامات الفردية والجماعية، ويصل المساس بالمصالح الوطنية العليا حدودا تهون معها التضحية بالنفس في سبيل تحقيق الأماني بالحرية والاستقلال والعيش الكريم.
ومع ما سبقها من إرهاصات على صعيد التململ الشعبي من مظالم الحاكم إبان الحكم العثماني الذي دام زهاء أربعة قرون، إلا أن هبّة البراق (1929) التي عمّت أراضي فلسطين احتجاجا على ممارسات اليهود الهادفة إلى المساس بالسيادة الفلسطينية الإسلامية على حائط البراق تعتبر فاتحة النشاط الجماهيري الفلسطيني في مضمار الانتفاض الوطني الهادف إلى صيانة الحقوق والمقدسات.
وبعد هبة البراق توالى كفاح الشعب الفلسطيني ضد النهج الاستعماري الظالم لسلطات الانتداب البريطاني وتحيزها الفاضح للمصالح الصهيونية على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه في السيادة على أرضه ومقدراتها. وبلغ النشاط الثوري الفلسطيني أوجه باندلاع ثورة عام 1936 التي عمت سائر الأراضي الفلسطينية وشكلت ارقأ حقيقيا للصهاينة ومخططاتهم التوسعية وتهديدا جديا للانتداب الذي كان يلعب دور الظهير للوافدين اليهود وحارسا أمينا لنزعاتهم التوسعية إزاء ارض فلسطين.
شردت نكبة 1948 زهاء 600000 فلسطيني عن أراضيهم إلى المنافي في الدول المجاورة. فيما بقي جزء من الشعب مرابطا على ارض الوطن. ومن جيل إلى جيل ظل التصميم على تحرير البلاد من الغزاة متلازما مع الحنين المتأجج للبيت المغتصب. وبالتوازي مع الكفاح السياسي والثوري لفلسطينيي المنافي الذي توج بانطلاقة العمل الفدائي في 1.1.1965 كانت عيون من تبقى على الأرض الفلسطينية مشدودة إلى الوطن المغتصب، وكان التحدي والتطلع إلى التحرير والاستقلال ينمو يوما بعد يوم وخاصة بعد احتلال إسرائيل ما تبقى من الأرض الفلسطينية في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967.
وبعد مضي نحو عشرين عاما على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، كان الكفاح الفلسطيني خلالها يتخذ صيغا مختلفة تتراوح بين التململ والعنف الثوري المشتت وصل الإحباط من الاحتلال وسلوكه حدودا لم يعد من الممكن معها الاستكانة للواقع ومراراته فاندلعت في التاسع من ديسمبر/كانون أول عام 1987 في سائر أرجاء الوطن المحتل انتفاضة شعبية عارمة وجدت استجابة لها لدى بقية الشعب في الأراضي المحتلة عام 48 ولدى الفلسطينيين في أرجاء الشتات.
وبعد عدم تحقيق الغزو الصهيوني للبنان في العام 1982 ما حلم به القادة الإسرائيليون من أهداف، ولكنه فرض وقائع جديدة على الساحة اللبنانية كان لها آثارها البالغة عربياً وفلسطينياً.
عربياً، كشفت هذه الغزوة مدى الانحسار الذي وصلت إليه الحركة العربية رسمياً وشعبياً، وعجزها عن التحرك لنصرة بلد عربي يتم اجتياحه، وعاصمة عربية تحتل، وشعبين عربيين يتعرضان لكل أنواع القتل والإفناء.
فلسطينياً، وبعد رحيل قوات الثورة عن لبنان باتت مقولة التحرير من خلال الحدود موقع شك وتساؤل، وهذا يفسر ما طرأ على الساحة اللبنانية، بعد رحيل قوات م.ت.ف من إرباكات سياسية وعسكرية أثرت في المشهد اللبناني والعربي بشكل عام فأوصلت القوى السياسية-العسكرية الفاعلة في هذا المشهد حدود التناقض والصدامات المسلحة، كان من ابرز نتائجها بروز التيار الإسلامي وأطروحاته البديلة المختلفة عن كل ما سبق من أطروحات وطنية وقومية وتقدمية.
وكانت م.ت.ف من أكثر الجهات تأثراً بذلك الحدث التاريخي المتمثل بغزو لبنان، إذ وجدت نفسها أمام مشاكل وتحديات إستراتيجية يتعذر التعامل معها بدون إجراءات ثورية جديدة من نمط جديد تشكل ردّا على ما تعرضت له.
وفي السنوات التي أعقبت حرب لبنان كانت التحديات التي تواجه م.ت.ف شائكة ومترابطة في حلقات ثلاث: الفلسطينية الداخلية، أي مسألة الوحدة الوطنية، والقومية؛ أي علاقاتها مع الدول العربية بشكل عام، ومع سوريا بشكل خاص بحكم الوجود المشترك في لبنان وقضية حرب المخيمات.
أما دولياً فلقد خاضت م.ت.ف سنوات ما بعد الغزو معركة سياسية ودبلوماسية وإعلامية صعبة لتعزيز مكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وصد محاولات شطبها من المعادلة السياسية في أزمة الشرق الأوسط، التي جوهرها قضية فلسطين.
بالتوازي مع مواجهة م.ت.ف لمشاكلها والتحديات التي تجابهها كانت أوضاع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة منذ 1967 قد وصلت حدود الاحتقان الذي يسبق الانفجار، بسبب إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وتزايد ممارساته الإرهابية العنصرية.
ومع إطلالة عام 1987، كانت م.ت.ف قد استعادت الكثير من وزنها السياسي، بعد صمودها في حرب المخيمات واستعادة مواقع لها في لبنان، وتصاعد الجهود لاستعادة الوحدة الوطنية، وتعاظم التأييد الشعبي لها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمكنت بجهدها السياسي الدؤوب من أن تتزود بحصيلة من القرارات الدولية الداعمة لها.
وقبل أن يطوى العام 1987 أسابيعه الثلاثة الأخيرة، كانت الظروف الوطنية والإقليمية مهيأة تماما لاندلاع انتفاضة جماهيرية في الأراضي المحتلة، لتفرض وقائعها منحى جديداً للمسيرة النضالية الفلسطينية وتحدث فيها تحولات عميقة، ولتشكل منعطفا هاما في مسار قضية فلسطين المعاصر.
بدأت الانتفاضة في الثامن من كانون الأول 'ديسمبر' 1987 حينما كانت حافلات تقل العمال الفلسطينيين من أماكن عملهم في المدن والبلدات الإسرائيلية العائدة مساءً إلى قطاع غزة المحتل، على وشك القيام بوقفتها اليومية المقيتة أمام الحاجز الإسرائيلي للتفتيش حينما داهمتها شاحنة عسكرية إسرائيلية، ما أدى إلى استشهاد أربعة عمال وجرح سبعة آخرين (من سكان مخيم جباليا في القطاع ) وفرّ سائق الشاحنة العسكرية الإسرائيلية على مرأى من جنود الحاجز.
ونتيجة لذلك اندلع بركان الغضب الشعبي صباح اليوم التالي من مخيم جباليا حيث يقطن أهالي الضحايا الأبرياء ليشمل قطاع غزة برمته وتتردد أصداؤه القوية في جنبات الضفة الغربية المحتلة، وذلك لدى تشييع الشهداء الأربعة، وقد شاركت الطائرات المروحية قوات الاحتلال في قذف القنابل المسيلة للدموع والدخانية لتفريق المتظاهرين، وقد استشهد وأصيب في ذلك اليوم بعض المواطنين، وفرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على بلدة ومخيم جباليا وبعض أحياء في قطاع غزة.
وفي 10/12/87 تجددت المظاهرات والاشتباكات مع قوات الاحتلال حيث عمت مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة في أكبر تحد لسلطات الاحتلال وإجراءاتها التعسفية والقمعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وقد واجه أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة رصاص قوات الاحتلال بصدورهم العارية، وأمطروا جنود الاحتلال الذين تمترسوا بسياراتهم المدرعة بالحجارة والزجاجات الفارغة وقنابل المولوتوف، مما أدى إلى استشهاد وإصابة العديد من المواطنين برصاص جيش الاحتلال.
في قطاع غزة تحول الصدام بين الجماهير وقوات الاحتلال إلى معركة حقيقية حيث كانت المدينة مغلقة تماماً، والطرق مسدودة بالمتاريس، وجميع المدارس والجامعات علقت الدراسة، والشوارع يملؤها الحطام، والدخان الأسود المنبعث من الإطارات المحترقة، ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء، وصور الزعيم ياسر عرفات، وتعالت الهتافات المنددة بالاحتلال وقمعه وبطشه والهاتفة بحياة م.ت.ف وقائدها أبو عمار. وقد اعترف ناطق باسم جيش الاحتلال واصفاً ذلك اليوم المتأجج قائلاً: 'أن قنبلة مولوتوف ألقيت على عربة عسكرية وأن الأمور ساخنة جدا'.ً
وتصاعدت الانتفاضة يوماً بعد يوم حيث تصدى الشعب الفلسطيني بأكمله بأجساد ودمائهم لآلة القمع الوحشية الإسرائيلية، ويومياً سطرت الجماهير الفلسطينية آيات من المواجهة البطولية للمحتلين وسقط الآلاف من الشهداء والجرحى من أبناء فلسطين في أضخم انتفاضة جماهيرية عارمة شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنوات طويلة، بل شهدها العالم الحديث وأطولها حيث انتهت في الخامس من أيار- مايو 1994 وذلك مع دخول القوات الفلسطينية المحررة إلى أرض الوطن بعد توقيع اتفاقية إعلان المبادئ الفلسطينية الإسرائيلية الذي عرف باتفاق أوسلو.
واكبت م.ت.ف. باهتمام تطور وأحداث الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشكلت قيادتها غرفة عمليات سياسية لمتابعة تفاصيل ويوميات الانتفاضة في كل مدينة وقرية ومخيم للتحرك سياسياً ودبلوماسيا في كافة الاتجاهات، وعلى مختلف الصعد لدعم وتوجيه عمليات الانتفاضة وكشف أساليب الإرهاب الرسمي الإسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين العزل أمام العالم كله . ومع بداية الانتفاضة حثّ الزعيم ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية ل م.ت.ف.القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة على تصعيد انتفاضتهم ضد المحتلين وذلك خلال النداء الذي وجهه من بغداد في اليوم الثالث لاندلاع المواجهات.
واستمرت م.ت.ف. بمواكبة الانتفاضة وتوجيهها ودعمها سياسيا من خلال فضح الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، وإعلاميا من خلال مؤسساتها الإعلامية التي كانت تقوم بتغطية دقيقة وشاملة لأحداث الانتفاضة مما ساهم في خلق رأي عام عالمي متعاطف مع الانتفاضة الجماهيرية الفلسطينية وماديه من خلال إرسال الأموال لتغطية فعاليات الانتفاضة اليومية وصرف معونات مادية وعينية لأسر الشهداء والجرحى والأسرى والأسر المستورة وإقامة بعض المشاريع الاقتصادية التي تساهم في خلق فرص عمل للمواطنين الفلسطينيين لرفع مستواهم الاقتصادي ولتقوية صمودهم في وجه البطش الإسرائيلي.
لم تكن حادثة الثامن من كانون الأول- ديسمبر 1987 التي أودت بحياة أربعة عمال فلسطينيين قضوا تحت دواليب سيارة عسكرية يقودها عسكري إسرائيلي حاقد سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، والسبب المباشر لاندلاع انتفاضة الفلسطينيين في وجه الاحتلال، ولكن الأسباب الحقيقية والعميقة تكمن في الاحتلال نفسه، وفي الرغبة المتأصلة عند الفلسطينيين في التخلص من هذا الواقع وتحقيق الأماني بالاستقلال وتقرير المصير على ارض يعيش عليها منذ آلاف السنين.
ويمكن لنا حوصلة الأسباب الفعلية للانتفاضة في الآتي:
لقد احتلت العصابات الصهيونية فلسطين عام 1948 وهجرت زهاء 600000 فلسطيني من ديارهم ثم أكملت احتلالها لباقي الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967 وكان الاحتلال الإسرائيلي منذ أيامه الأولى سببا مباشرا للتململ الشعبي واستمرّ على مدار عشرين من الاضطهاد والظلم والممارسات اللاإنسانية سببا للضغطً النفسيً والاقتصادي الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة.
لقد أدى تجاهل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبعض الأوساط السياسية الدولية ذات النفوذ للدور القيادي والتمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية والحصار الشامل للفلسطينيين في الداخل على مدى عشرين سنة، بالفلسطينيين إلى لحظة الانفجار والانتقال بكفاحهم أساليب جديدة وعلى قاعدة جديدة، وهكذا انتقل الشعب الفلسطيني برؤيته النضالية من محاولات التحرير من الخارج، عبر الحدود إلى التفكير بإمكانية التحرر من الداخل.
كان لاستمرار وتفاقم الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد السكان في الأرضي المحتلة، إضافة إلى سياسة القبضة الحديدية الاستفزازية التي مارسها الجيش الإسرائيلي في المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية أثرها الحاسم في الرد الفلسطيني على تلك الممارسات وبالطريقة المناسبة التي تمثلت في القيام بهبة جماهيرية واسعة في وجه الطغيان.
ولا يمكن أن نغفل هنا عاملا حاسما من عوامل الانتفاضة، ألا وهو انحسار الاهتمام العربي بمركزية قضية فلسطين، وقد جسد هذه الحقيقة مؤتمر القمة العربية المنعقد في الأردن في تشرين ثاني- نوفمبر 1987 إذ انحسر الاهتمام بالقضية الفلسطينية في مداولاته إلى مستوى الإشارة اللفظية العابرة. وفي هذا الصدد نلاحظ تجاهل السياسة الدولية لقضية فلسطين وانشغالها بقضايا أخرى على الصعيد الدولي. فإلى جانب التصلب الأمريكي المعهود تجاه عدالة القضية الفلسطينية والتحدي الإسرائيلي الدائم لفكرة المؤتمر الدولي وصلاحيته كطريق لتحقيقً السلام، كانت أولويات الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي تتركز حول قضايا حرب النجوم ونزع السلاح النووي.
ويبقى العامل الديموغرافي هو الأهم في سلسلة العوامل التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة. فالفلسطينيون في الواقع لم يبقوا مجرد أقلية يحشرها الاحتلال في قمقم، بل شعبا ولدت أجياله المتجددة وعاشت في ظل الاحتلال وقيوده، وقد آن الأوان لأن تحمله تطلعاته ورغباته في الحرية إلى أجواء الثورة الهادفة إلى تحقيق الهوية والتحرر وتقرير المصير.
لقد اتسمت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية العارمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ اندلاعها في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1987، بالشمولية والاستمرارية وترسيخها لحقيقة بارزة مفادها أن جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والجليل والمثلث والنقب بدت أكثر من أي وقت مضى موحدة في مواجهة الاحتلال ورفضه، ملتزمة بموقف سياسي موحد قاعدته وحدة المصير، وأهدافه تحقيق الاستقلال الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كل مكان وجوده.
وعند الحديث عن أهمية ومغزى الانتفاضة الأولى نجد أنها خلقت ظروفاً موضوعية جعلت القيادة الفلسطينية تبحث إمكانية تشكيل حكومة فلسطينية مؤقتة في المنفى مع ما يعنيه ذلك من دلالات مهمة على أن الانتفاضة مهدت الأساس المتين لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. كما أكدت على أن م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب في كل أماكن تواجده بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الشعارات التي انطلقت الانتفاضة على أساسها، كما أكدت في الوقت نفسه على أن أي حل يجب أن يمر عبر بوابة الشرعية الفلسطينية. ورفعت الانتفاضة المسألة الفلسطينية إلى صدر الأولويات الدولية وأملت على المجتمع الدولي ضرورة إيجاد حل لها، فضلا عن قدرتها على إضافة عناوين جديدة إلى الملفات الدولية وعلى رأسها أن مسألة حقوق الإنسان تعني بالضرورة حقه في كيان مستقل ووطن خالٍ من قوات احتلال تصوب النار اتجاه أطفاله.
وعلى الصعيد الفلسطيني عبرت الانتفاضة عن فهم عميق لمتطلبات المرحلة النضالية الحالية، فامتنع آلاف العمال الفلسطينيين عن مواصلة العمل في المصانع الإسرائيلية الأمر الذي أثّر مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي. كما أن الدعوة إلى العصيان المدني والإضراب الشامل ومقاطعة البضائع والمنتجات الإسرائيلية كانت تعبيرا عن أساليب فلسطينية جديدة في مسار النضال الوطني لتحقيق الاستقلال وذلك من خلال مقاومة العدو بكافة الوسائل المتاحة لجعل احتلاله مكلفاً من جميع النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
علاوة على ذلك استطاعت الانتفاضة تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية في أبهى تجلياتها، إذ انضمّ فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948 إلى أشقائهم في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 ليشكلوا مع أشقائهم الفلسطينيين في المنافي البعيدة قوة منيعة بوعي وطني واحد تعززه الاتصالات والتنسيق بين الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم.
ولم تكن انتفاضة الفلسطينيين عام 1987 عبثية، بلا هدف، فلقد سعى الفلسطينيون عبر انتفاضتهم ومنذ أيامها الأولى إلى تحقيق عدة أهداف ومطالب وطنية صارت في عرف الفلسطينيين وحلفائهم اساسا لثوابت وطنية يستحيل التراجع عنها:
- إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره
- تفكيك المستوطنات
- عودة اللاجئين دون قيد أو شرط
- تقوية الاقتصاد الفلسطيني؛ تمهيدا للانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي
- إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الإسرائيلية
- وقف المحاكمات العسكرية الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين
- لم شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج
- وقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين
- وقف حل هيئات الحكم المحلي المنتخبة من مجالس بلدية وقروية ولجان مخيمات
- إتاحة المجال أمام تنظيم انتخابات محلية ديمقراطية للمؤسسات في البلاد
- وقف ارتكاب ما يتعارض مع العادات الفلسطينية
لقد كانت الانتفاضة الأولى ثورة الشعب، كل الشعب، بكل فئاته وقواه، حيث أذابت التمايزات الفكرية والسياسية بين الجميع، وزجت بالجميع في أتون مواجهة الاحتلال، وجسدت بهذا سمة جديدة متطورة من الوحدة الوطنية، ليست وحدة برامجية، أو وحدة قيادات أو فصائل، بل هي وحدة كل الشعب في ميدان المعركة والمواجهة، مدعمة بمشاركة وعلاقات وتفاعل وتكامل اجتماعي واقتصادي ومعنوي ونفسي تنسجم مع مستوى الوحدة القائمة في وعي الشعب لظروفه وواقعه ومتطلبات تغيير هذا الواقع.
اليوم، وفي ظل التشرذم في واقعنا الوطني، وتفتت كياننا الجغرافي، وانقسام وعينا ومواقفنا وأساليب التعامل مع أزماتنا واستعصاءات حالتنا تزداد حاجتنا إلى استذكار ماضينا، لاستخلاص الدروس والعبر من السلوك الوطني والنضالي الذي ساد أيام انتفاضة الحجارة في 1987 ضد الطغيان لنجعل هذا الماضي نبراسا نستضيء به ومنهجا نلتمس به طريقنا.

