مخطط "برافر" يعكس تحولات خطيرة في المجتمع البدوي في النقب
النقب - خاص (شبكة راية الإعلامية):
تقرير: وصال الشيخ
كانت تشرح ما حصل لعشيرتها عام الاحتلال الإسرائيلي 48 لأراضي فلسطين، ثم ارتفع صوت لهجتها البدوية عندما قالت: "عندما ذهبت إلى المدرسة وأنا صغيرة في بئر السبع -وقد كانت مدرسة يهودية لقلة مدارسنا في المناطق البدوية- كان الأطفال اليهود يستعدون لحمل الأعلام الإسرائيلية احتفالاً بــ"استقلال إسرائيل"، وكان الجميع مجبر على فعل ذلك. ثم قلت في نفسي لماذا أحمل علما اسرائيليا وأنا فلسطينية ولدينا علم؟؟!. فقررت أنا وصديقتي من قريتي تطريز علم فلسطيني. وفعلنا ذلك. يوم الاحتفال رفعنا العلم الفلسطيني، فعاقبنا المدير وفصلنا لمدة شهر من المدرسة، رغم أنه مدير عربي. وبعدها تشكلت لجنة تفتيش في المدرسة تفتش كتبنا ودفاترنا لعلنا قد كتبنا شيئا ما عن فلسطين".
هي حسناء الصانع، من عشيرة الصانع في قرية اللقية البدوية في النقب جنوب فلسطين. وتدير مشاريع جميعة نساء اللقية. وتعتبر قريتها "معترف بها" إسرائيليا، أي أن أهلها قادرون على البناء وفتح محآل تجارية وعيادات ومدارس وغيرها، ولكنها تقع على حافة الخطر في تشتت قيمها وتقاليدها، وسلخها عن هويتها البدوية بعد أن احتلت إسرائيل منطقة النقب عام 1948.
البدو يرتحلون من قرى "غير معترف بها" إلى قرى "مبرمجة"
أمسى حال البدو في فلسطين مختلف عن الماضي وحتى عن البدو في مناطق عربية أخرى، فهم ينتقلون اليوم وفق الشروط الإسرائيلية من قرى "غير معترف بها" إلى أخرى "مبرمجة، بعد أن يذهب البدوي إلى "سلطة تنظيم الاستيطان البدوي" في بئر السبع ويشتري دونما من الأرض بمبلغ مالي كبير جدا ليبني بيتا له، إذ تسعى إسرائيل إلى حرمانهم مما تعودوا عليه في حياتهم السابقة.
وقالت مديرة جمعية نساء اللقية نعمة الصانع "أن الحكومة الإسرائيلية تسعى من خلال مخطط "برافر الإسرائيلي" لتهويد الكثير من أراضي البدو في النقب وبئر السبع، حيث أن هناك 35 قرية بدوية عربية لم تعترف بها إسرائيل حتى الآن على أنها أراضي ملك للبدو، وتدعي أنهم لا يملكون أرضا في النقب أو بئر السبع وبيوتهم "غير شرعية" وقراهم "غير مخطط لها، وتنظر إليهم أنهم يحتلون بشكل "غير قانوني أراضي الدولة"، ولا تعترف بامتلاكهم للأرض إلا عندما تجبرهم على بيع أراضيهم أو التنازل عنها، وترسل لهم دائما إخطارات لهدم منازلهم".
كما يعاني أهالي هذه القرى وخاصة القريبة من مفاعل "ديمونا" النووي الإسرائيلي من خطر الإشعاعات النووية ومن مخلفات المصانع الكيماوية ومصانع توليد الطاقة الكهربائية كما أوضح رئيس المجلس الإقليمي للقرى "غير المعترف" بها أنور الهواشلي، وأشار إلى ارتفاع نسبة السرطان بين الأهالي والأطفال المشوهين. مضيفاً إلى أن إسرائيل طردت أهالي قرية أم دمنة عام 1948 وحولت الاسم إلى "ديمونا" وأقامت على أراضيهم المفاعل النووي.
أما فيما يتعلق بـ"القرى المبرمجة"، أوضحت مديرة البرامج التربوية والتوجيهية في جمعية سدرة النسائية حنان الصانع أنه مصطلح إسرائيلي عنصري، يطلق على القرى التي دافعت من أجل الحصول على الاعتراف بوجودها من قبل الحكومة الإسرائيلية، وما يفرقها عن غيرها أن إسرائيل تملك مخططا جغرافيا لتلك القرى، وأجبرت البدو على بناء المساكن الحديثة عام 1990. حيث تتوفر بها البينة التحتية من ماء وكهرباء ودفع للضرائب، ولكنها ما زالت من أفقر المناطق في الجنوب وتواجه مشاكل اجتماعية (بطالة، عنف، تفسخ في القيم،...) وشحّ في وجود المدارس والنظام التعليمي الذي يتميز بالعنصرية ويهدف إلى محو الذاكرة البدوية الفلسطينية، وفي محاولة من إسرائيل لــ"عبرنة البدوي".
مضيفة أنها تطمح من ذلك إلى نقل السكان إلى مساحة 3% أو أقل من مساحة النقب، في حين أن البدو يعيشون على 20% من أراضي النقب، خاصة بعدما قررت مخطط "برافر" وبدأت بتنفيذه.
لماذا تمنع إسرائيل تربية الأغنام؟؟
استعرضت حنان الصانع في إعطاء نبذة تاريخية لوجود البدو في النقب حتى قبل الاحتلال العثماني لفلسطين، حيث الكثير من البدو يحملون اثباتا عثمانيا بأراضيهم، كما استخدمت الجيوش والتجار طريق النقب على مر العصور للتبادل التجاري بين الحجاز والشام وغزة.
وقبل عام 1948 بلغ عدد السكان البدو ما يقارب 150 ألف نسمة، كانوا يعيشون على 95% من أراضي النقب، وشكّل القضاء العشائري محكمة الصلح بين العشائر البدوية. ولكن بعد النكبة تم تهجير 11 ألف نسمة، تواجدوا بين غزة حتى قضاء بئر السبع، ومنهم من هاجر إلى سيناء أو إلى الأردن، أو إلى غيرها من المناطق.
ما بين عامي 1953-1967 قامت الحكومة الإسرائيلية بتجميع البدو المهجرين في منطقة تسمى "السياج"، وسنت في هذه الفترة قانوني "الغائب" و" الأموات" وبذلك وضعت يدها على مساحة كبيرة من أراضي البدو الرحل أو الغائبين، واستبدلتهم باليهود القادمين إلى فلسطين.
وأردفت قائلة "عندما كان البدوي يستطيع بناء خيمته من صوف أغنامه ورعيها في مناطق بعيدة عن بيته، فرضت عليه إسرائيل "الطوق الأخضر" أي أن يزرع النباتات جوار بيته لإطعام أغنامه، ومنعه من الرعي بها في مناطق بعيدة على اعتبار أنها مناطق للتدريبات العسكرية أو محميات طبيعية، ومنعته أيضا من بناء الخيم، بل بناء بيت من الطوب والزينكو منذ عام 1990، وفرضت عليه أجواء بيئتية جديدة غير ملائمة له".
التحولات البدوية وتأثيرها على المرأة
تعيش المرأة العربية البدوية في النقب معركة مليئة بالتحديات والتصدي للمخططات الحكومية الإسرائيلية، وواقعا صعبا بسبب العادات والتقاليد، ولكن هذا لم يمنعها من أن اتخاذ القرار والمشاركة في النضال، واثبات قدرتها على إدارة مرافق اقتصادية هامة، وتولي مسؤوليات أخرى.
قالت حنان الصانع أن "المرأة النقباوية لها وضع خاص، خصوصا في القرى غير المعترف بها، فتصل نسبة الأمية بين النساء فوق جيل 30 إلى 90%، كما أنهن نساء غير قادرات على العمل أو لا تتوفر لهن الفرصة للعمل|. مشيرة إلى تقاعس إسرائيل وفشلها بتطبيق قانون التعليم الإلزامي، حيث بدأت بتطبيق هذا القانون الذي ما زال غير مطبق بالكامل في نهاية السبعينيات، مما خلق فجوة بين جيل الأمهات والأبناء وخصوصا في ظل التطور التكنولوجي. معتبرة أن تطبيق القانون هو فقط "معروفا" ورشوة للناس الذين انتقلوا أو أجبروا على الانتقال إلى البلدات المعترف بها، ووسيلة معاقبة لغير المعترف بها.
والكثير من المدارس الابتدائية والثانوية تم إنشاؤها بعد التوجه إلى محكمة العدل العليا من قبل منظمات المجتمع المحلي. لذا ما زال الأمر ضروري لبرامج تعليم الكبار من أجل تزويد النساء بالمهارات الحياتية.
كيف تتغلب المرأة البدوية على واقعها؟؟
تقول مديرة المشاريع في جمعية نساء اللقية حسنة الصانع أن المرأة تواجه ضغطا ذكوريا ناتج عن السلطة الحكومية في المجتمع البدوي، فالرجال متأثرون دائما بما تقوم به إسرائيل، فتمارس نوع من الضغط النفسي على الرجال، فينعكس ذلك بمنعهم لنسائهم بممارسة حياتهن الطبيعية. ولتخطي الواقع والتغلب عليه قامت مجموعات نسوية بتشكيل جمعيات تهتم بشؤون المرأة وتمكينها، وأيضا لتغيير صورتها في الإعلام العربي والإسرائيلي ومنها:
جمعية نساء اللقية عام 1986 بهدف تلبية أبسط الفعاليات (قراءة وكتابة، مخيمات، مكتبة) وحتى عام 1992 تم الاعتراف بالجمعية رسميا، وتنفذ ثلاث مشاريع: مشروع التطريز حفاظا على التراث وتحقيق دخل سنوي للمرأة، مشروع القيادة الشابة ويخص الإناث، مشروع المكتبة الجوال الذي يخدم القرى غير المعترف بها.
بالإضافة إلى جمعية سدرة التي تأسست عام1997 بمبادرة نسوية عربية، وتعمل في مجال التطوير الاقتصادي للمرأة من خلال مشروع نسيج النقب، ومجال التدعيم الاجتماعي من خلال البرامج التوجيهية (التعليمية والصحة) والجماهيرية (مساعدات طوارئ ومرافعات)، ومجال الإعلام من خلال (صحيفة شهرية، مناصرة لتغيير صورة المرأة البدوية)، ومجال مؤسساتي (تشبيك اقليمي، محلي).
وأصبحت النساء البدويات الآن يتميزن بالثقة العالية بدورهن ومسؤوليتهن تجاه مجتمعهن الذي يتعرض لمخاطر من عدة جهات، كما أنهن مثقفات ويحرصن على تعليم أبنائهن، وقياديات، وقادرات على إيصال ما يحدث في النقب إلى الأمم المتحدة وبرلمانات أوروبا لإيمانهنّ بنضالهنّ ووطنهنّ.
النضال المحلي والدولي ضد المصائد الإسرائيلية
يعتبر مخطط برافر الإسرائيلي -الذي يهدف إلى تهجير 30 ألف بدوي من النقب، لتوزع الحكومة الإسرائيلية لاحقا الأراضي المحتلة 250 ألف يهودي جديد، وبموجب المخطط ستقام 100 مزرعة جديدة، إضافة إلى 80 دونما نقدم مجانا- وحكومتي "تنظيم الاستيطان البدوي" و"تطوير الجليل والنقب" مصائد إسرائيلية في محاولة لقهر السكان البدو باستخدام وسائل ضغط تهجيرية عدة.
ولكن البدو تنبهوا وأدركوا الأهداف الإسرائيلية منذ تهجيرهم إلى (تل عراد) على حدود الأردن عام 48م، فحافظ كل منهم على البقاء في أرضه أو العودة إليها رغم الحياة الصعبة بكافة ظروفها. وفي الآونة الأخيرة عندما ارتفعت نسبة التعليم زاد الوعي بأن الوطن ثروة وإسرائيل لم تكن سوى عنصرية، أدرج المجلس الإقليمي البدوي للقرى غير المعترف بها بالتعاون مع الجمعيات النسوية والمحاميين والنواب العرب في الكنيست الإسرائيلي والمؤسسات الحقوقية خطة بديلة عن "برافر"، تهدف إلى الاعتراف بالقرى الـ35 غير المعترف بها، وتم صياغتها خلال 3 سنوات صادقت عليها اللجنة العربية. ومن خلال مرافعات دولية لحقوق عرب النقب في الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض، وسلسة اجتماعات مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي تم الحصول على اعتراف للعديد من القرى مثل قرية السرة، اللقية وغيرها كنوع من النضال الدولي.
كما تعتبر الجمعيات النسوية طريقة للنضال المحلي، فهي أماكن تستقبل الوفود السياحية لتعريفهم بالثقافة البدوية، واطلاعهم على الممارسات الإسرائيلية بحق التراث البدوي. إلى جانب ذلك تنفذ "جمعية بستان" فعاليات في النقب تضم وفود أجنبية متضامنة، واختارت في الفترة الأخيرة قرية قصر السر لتنفيذ مشاريع تنموية صغيرة للتطوير الاقتصادي والاجتماعي و تطوير البنى التحتية للقرى البدوية الصغيرة.
وقامت الجمعية ببناء ما يسمى "الخان" وهو عبارة عن بيت شارك في بنائه طلاب أجانب كمسكن للسياح، ولإلهام البدو بعد أن منعتهم إسرائيل من بناء الخيمة كيفية بناء بيت مغطى بالطين والقش للتغلب على الحرارة والبرد، كنوع من دمج الثقافة المستدامة مع الثقافة البدوية وبهدف الانتفاع المتبادل بين السكان المحليين والطلاب والسياح الأجانب.
وأشار مدير جمعية بستان رائد مكاوي أن الجمعية تنفذ مشاريع تنموية بدأت بمطبخ بدوي تراثي، ثم مخيطة، ثم دمج التراث البدوي (التطريز والنسيج) بالملابس العصرية، ثم مشتل منتج للنباتات، ومكان لاستقبال الطلاب لتعليمهم كيفية الزراعة البعلية وإنتاج النباتات الطبية.
أما في تعزيز الحياة الثقافية يقوم الشاب عبد من قرية اللقية البدوية بنقل الرسالة الثقافية البدوية من خلال أغانيه البدوية- المعاصرة، المعزوفة على ألحان الجيتار والطبل إلى مدن وأحياء مختلفة في فلسطين والخارج. كما يدعم المركز الجماهيري في قرية اللقية الجانب الثقافي والأدائي للشباب بمختلف الأعمار.
ويأتي هذا في إطار يوم تطوعي نفذته مؤسسة فلسطينيات في رام الله لمجموعات الشبابية ضمن برنامج التمكين المجتمعي وهو أحد مشاريع مؤسسة فلسطينيات، والذي يهدف إلى الحد من الفقر عبر تعزيز التنمية المستدامة لدى شريحة واسعة من الفئات الضعيفة والمهمشة كالنساء ،والبدو، والشباب في المناطق الفلسطينية، وفي الداخل بالتعاون بين عدد من المؤسسات غير الحكومية الشريكة وبدعم من الاتحاد الاوروبي، حيث سيتم تنفيذ مبادرات جماعية من قبل المجموعات الاثنتي عشر التي تم تشكيلها في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، لإفادة مجتمعاتهم المحلية.

