هل ننعي أمة العرب؟
الكاتب: حنان بكير
رام الله- شبكة راية الإعلامية:
حدث ذلك، مع بداية تفتح الوعي القومي والوطني لديّ. لم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري، حين حضر الشاعر الفلسطيني الكبير يوسف الخطيب، الى بيروت قادما من دمشق. كانت بيروت يومها محجا لكل أنواع وجنسيات المثقفين، وللفارين من الارهاب الفكري، وتكميم الأفواه. كان هدف الزيارة، احياء أمسية شعرية، في مناسبة ما..
لم أعد أذكر تلك القصيدة، التي ألهبت مشاعرنا واعتزازنا بعروبتنا، لكني، على أي حال اذكر مطلعها:
أمة العرب لن تموت واني/ أتحداك باسمها يا فناء…
انقضت سنوات قليلة بعد ذلك، ولمّا تكن قد بدأت بعد الكوارث العسكرية والسياسية، بحجم ما نشهده اليوم. حضر الشاعر ذاته وللهدف ذاته الى بيروت. كنا مفعمين بالحماس، ومنتفخين بالعزة والاعتداد، مثل بالون كبير.. ومع مطلع القصيدة ” نفّس” ذلك البالون المنتفخ. كان مطلع القصيدة: ” أكاد أومن من شك ومن عجب/ هذي الملايين ليست أمة العرب
أستذكر هذه الأيام، شاعرنا العظيم، الذي استشعر بما سيحل بأمتنا، وتنبأ ببداية الانحدار لها. وماذا عساه يقول اليوم؟ وهل أبقت كوارث الامة فيه رمقا ليقول شيئا؟ أم أنه وجد في الصمت ملاذا، وأبلغ تعبير عن حالة اليأس، بدل ان يتحول الى بوق لأولي الأمر، او يكون شاهد زور للمرحلة!!
ان سرد احوال الوطن العربي، هو نوع من اجترار الكلام، وليس هناك من لا يصيبه الغثيان والقرف مما نحن فيه.. لكن ما يجري في فلسطين، وجزى الله خيرا ” الكفرة” الذين اخترعوا لنا هذه التكنولوجيا، التي تجعلنا نعيش الأحداث لحظة بلحظة و”بالأبعاد الثلاثة”، وما يحدث هناك يجعل من في شراينه دم، أن ينحاز لخيار الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي، عندما دخل الجيش الاسرائيلي الى قلب بيروت وغرف نومها، ولم تحرك أمة العرب ساكنا، أو حتى مظاهرة من باب رفع العتب، فأنهى حياته، حتى لا ترى عينه ولا يحزن قلبه!
في منتصف الثمانينات، اقتحم مستوطنون، بحماية عسكرية، أكبر وأقدم كنيسة في الشرق الاوسط، وهي كنيسة ودير مار الياس في القدس، فخربت الكنيسة وسرقت الأيقونات التاريخية النادرة، وهي ايضا من أندر الأيقونات في العالم، قبل ان تتحول الكنيسة، في ذلك الوقت، الى أمكنة اقامة للمستوطنين. والعرب” خشب مسندة”، حتى لم تحظ بتغطية اعلامية بحجم الجريمة.
أذكر حينها، حضر مطران القدس الفلسطيني، الى اليونان، طلبا للعون، كون الكنيسة أرثوذكسية وتقع تحت الهيمنة الاكليروس اليوناني. كنت أنذاك أقيم في أثينا.. وكانت النتيجة، أن بكى المطران وقال: اذهبوا واعترفوا بقبص التركية، وعاد مخذولا!
واليوم، جاء الدور للمسجد الأقصى الذي بات قوسين أو أدنى، من الانهيار” لا سمح الله”، ولن يحتاج لأكثر من طائرة تخرق جدار الصوت فوقه، ويتحول الى حجارة صغيرة، يحملها المؤمنون أيقونات مقدسة، يقيمون لها مجالس العزاء والنواح.. لا سمح الله..
تعلن الدول العربية كافة، باستثناء لبنان، في دساتيرها المقدسة،” أن الاسلام هو دين الدولة”. وكأن للدولة دين! وليست الدولة هي بمواطنيها على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وأعراقهم! وهذا ليس شأننا هنا.. ما هو موقف هذه الدول التي دينها الاسلام، مما يجري لأولى القبلتين وثالث الحرمين؟ الفلسطينيون وحدهم يواجهون أقدارهم بلحمهم العاري، فيما أرجح انشغال الدول التي دينها الاسىلام، باعداد ملابس الحداد، وكتابة المراثي، وكتابة بيان الاحتجاج للأمم المتحدة نصيرة الشعوب المظلومة، وتحضير موائد الطعام الفخمة عن روح المسجد الأقصى.. انّا لله وانّا اليه راجعون.. لكم من بعده طول البقاء…. لا سمح الله ألف مرة…
كتب هذا المقال قبل وفاة الشاعر الكبير يوسف الخطيب

