الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:11 AM
الظهر 11:52 AM
العصر 2:48 PM
المغرب 5:15 PM
العشاء 6:33 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الكتابة فعل مائيّ

الكاتب: د. عبدالله البياري

لماذا يحضرني هاجس الموت دوماً على حواف «الكتابة»، حتى قبل أن يتَّشح الفعل حيّزه المؤدّى؟

لماذا يترافق الموت وهاجسه مع الكتابة والذهاب إليها؟ أتراها الكتابة بما فيها من انفصال عن الأنا/ الذات إلى ما ليس الأنا/ الذات، وما فيه من تحقيق لشرطية الموت، ولو من ناحية الإدراك والتعريف؟

أيمكن أن تكون الكتابة هي الإجابة المؤجّلة عن سؤال فادح: من نحن؟ كما هو الموت بداية الإجابة المحكمة عنه… أو هكذا قالت الكتب المقدّسة.لماذا نكتب ما دمنا سنموت؟

أم تراها الكتابة نجاة من موتنا بموت شفيف أكثر تسامياً والتصاقاً بـ«أنا»ـنا. كيف لذلك أن يكون والموت لصيق الحياة، كلاهما لا ينجو من تعريف الآخر له؟

أتراها الكتابة فعل وجودي حدّي يحدث على تخوم الحياة والموت، دون أن يتم اتحاده بأحدهما أو بهما معاً؟ فلا تصبح الكتابة حياة تامّة، وإلا ما حاجتنا لنكتبها، ولا موتاً تاماً، له من الثبات ما يمنعه من أن يطأ حرم الحياة… ولكن ما الـ«تمام»؟أترانا نكتب لنتلمس «تمام»ـنا فيكون لنكون؟… أتراها الكتابة ذهاب دائم إلى آخرنا، في «نحن»ـنا؟ كيف لا نكون به تامّين بكامل النقصان… المكتوب؟

أم تراها الكتابة «مكان» يُؤمِّن لنا فضاء الحلم والزمن اللازم له، أو يثبت ويكثّف الزمن اللازم لذلك الحلم، تماماً كالبيت والبدايات (ولهذا

هما حنيننا الأزلي) فنألفه ونحمله ليكوننا، أَوَلسنا في النهاية أمكنة للروح، وإن غلبها الفخار؟… ولكن ما المكان؟

أنا لا أكتب لأني سأموت، وإلا فما نفعها؟ ولمَ كانت هناك «كتب مقدّسة»؟ فالكتابة التي يحركها التمسُّك بالآن هنا لا يعوَّل عليها.

الكتابة دليل تناسخ الأرواح، سرديات لعوالم توازت، اختلفت، أو تعدَّدت، أتراها كانت السماء لتستوي مالم تكتب؟

الكتابة هزيمة الموت والحياة معاً غير مكتملين، وانتصارهما معاً غير مكتملين، أن تكتب أي أن تتمثَّل الآلهة بمنتهى البشرية، لتنكسر الأسطورة وتمسّ شجرة الخلود بلا خلود، دون أن تحميها من الحبكة.الكتابة فعل مائي، فمن الماء خرجت الحياة، وبه يتجسَّد الموت حيناً. في الماء انكسر الضوء لوناً، وشذَّت استقامة الموازين، وكُسرت لحمة الضوء.الكتابة فعل مائي، ينزع فيه الماء إلى ملحه وبحره، أَوَليست الكتابة فعل فصام شخصية، كذلك البحر، إشارة فصام لكل ما هو جميل؟ «لفصام صاغته العرب كلها في كلمة واحدة: «رائع»: كل ما يُلقي الرعب في الروح، ويرتجف القلب منه، ويتزعزع به، ويلامس الجمال المطلق، أيضاً؟».

للماء سلطة المعنى والمجاز والفعل، لذا كان في النص الماء وعد حياة وشهادة، فغاب عن الآخرة، فلا كتب مقدّسة هناك، لا أنبياء ولا كتبة ولا علم. فالمتخيّل ممكن هناك، فلمَ كتابته إذاً! المسافة بين الخيال ووقوعه محض هاجس موقَّت، والكتابة هاجس دائم. هناك لا صوت يعلو على صوت المطلق، أما هاهنا فلا صوت إلا للنسبي، هكذا هي الكتابة، نزوع إنساني إلى المطلق بمنهى النسبية.

الكتابة فعل مائي، تجمع الأضداد كلها، حياة وموت، فلا يتعرَّف الشيء دون ضدّه فيها وحسب، بل يتحد معه، وتتسع الكتابة لهما. حياة وموت يترافقان في الماء، ذهاب وعودة في زبد يطوف بتيوسه البيض عقل الحجر، فينحت في مواثيق موته شكل حياة تتجدّد، فيغدو تمام الكينونة هو البحر/ الكتابة احتواء الأضداد معاً وانتفاؤها، ثبات وحركة، نحن ولا نحن.

الكتابة كالبحر، مكان يكتمل في الإنسان ويعرف ذاته وآخره معاً، الكتابة كالموج يأتي وحيداً ويذهب وحيداً… بنا.الكتابة أن نكون على تخوم المعنى والمجاز والفعل، تمنح الحياة إذ تمنع الموت، وتمنح موتاً لا حياة قبله.الكتابة انعكاسنا المائي، في «أنا»ـنا دون تمام اتحاد أو انفصال، فما هو البحر فينا؟ لا هو ولا أحد… نحن.

Loading...