صور..عائلة حجازي تروي لـ "راية": فقدنا الأب و3 أشقاء وجراح الأم حرجة
خاص – مكتب غزة – (شبكة راية الاعلامية)
عامر أبو شباب، يوسف حماد:
المواطن فؤاد حجازي (42) من سكان بلدة جباليا شمال قطاع غزة، لم تكن الحياة لديه سوى رعاية أسرته وممارسة حياة آمنة يحاول دوما أن تحيا بسلام بعدما فقد ابنه البكر "محمد" (20 عام) في الحرب السابقة عام 2008-2009 دون مبرر للقتل حسب قائمة الأهداف الإسرائيلية المتجددة.
بعدها قرر الأب فؤاد تحدي جريمة استشهاد ابنه الأكبر محمد فأطلق نفس الاسم " محمد" على طفله الجديد "محمد" (3 سنوات) ولكن الاحتلال الإسرائيلي عاود استهدافه محمد الثاني ليؤكد على بند الإصرار والقصد في الجريمة القديمة - الجديدة مع محمد الذي ولد مرتين واستشهد مرتين.
وفي ثنايا الحرب الجديدة "عامود السحاب" المُشرع بأحدث طائرات القتل والفتك، لم يخطر ببال فؤاد وأسرته الجميلة أنه سيكون في دائرة الاستهداف مجددا ودون سابق إنذار، أو تهديد سابق.
المشهد في مساء أحد أيام الحرب الثمانية، كان طبيعيا جدا في البيت الجدي، الأب فؤاد وقف بين يدي الله لأداء صلاة العشاء، ينتظر رحمته وعفوه وبصبر واحتساب قدره المخبئ في مخازن الذخيرة الإسرائيلية المحمول في طائرات العدوان، وفي الجزء الآخر من الصورة يلهو محمد "الثاني" ومصطفى بدراجاتهم الصغيرة ، لكن يبدو أن مجرد الحياة وصيرورتها الطبيعية هدف لقادة تل أبيب المسكونين بالتلمود ونصوص الموت المرتلة في قلوبهم وعقولهم.
الجزء الثالث هو مشاهدة الشابين مصطفى وأشرف للتلفاز ومتابعة الأخبار دون أن يعلموا أن عائلتهم ستكون الحدث القادم في الزمن القصير على مقربة من اللحظة التي تختارها طائرات الموت، ليتعرضوا للإصابة المباشرة، وقدر الله يكتب لهم النجاة.
الصورة الرابعة لملاك الرحمة الأم الصابرة تتحرك بعفوية الأمومة في مطبخها تعد العشاء لأفراد حبها، ولكن نار العدوان سبقت نار الطهي، فتحول مطبخها إلى ركام ووجبتها الغذائية إلى هدف إسرائيلي بامتياز كشف عنه العدوان الجائع، وتصبح هي مصابة بجراح خطيرة حيث تم نقلها لمستشفى كمال عدوان شمال غزة ، ثم الشفاء بمدينة غزة، ونظرا لخطورة حالتها ومحاولة إعادتها لأسرتها بعد استشهاد زوجها الأب، تم نقلها إلى أحد مشافي العريش ثم الآن هي بين يدي العناية الإلهية في مستشفى تركي يسعى لإعادتها للحياة بعد إصابتها بارتجاج في المخ.
وهنا في بيت مستأجر ينتظر الناجون من المجزرة مصير الأم التي تصارع الموت من أجل باقي أسرتها، بعد أن فقدت عائلة حجازي الأب واثنين من الأشقاء الأطفال دون الخامسة، وانتظار الأم التي تعاني جراحها الحرجة.
فعلا الحرب سيف المحتل، و العدوان قدر الفلسطينيين، وغزة دائما على موعد مع غطرسة القوة الإسرائيلية التي تفر من معاركها الكبرى إلى مواجهة الإنسان والأطفال.
في المقابل يوجد هنا في غزة إنسان مختلف خُلق في رحم المعركة، والشهادة بالنسبة له أكثر من قدر في ظل غياب الحياة الكريمة وتصاعد التوتر في بورصة الانتخابات الإسرائيلية عبر صناديق الردع والمتفجرات.
يقول مصطفى في العشرينيات من عمره أن عائلته لا تخشى الشهادة، والعائلة باتت لا تخاف من مواجهة الموت في المرات القادمة، فطريق الشهادة يمر من غزة للقدس مرورا بنابلس وجنين، "نحن نتمنى الشهادة"، يقول مصطفى .
أما الطفل أسامة فيترحم على والده ويتذكر الشهداء بحزن فهم لا يغادروا التفكير لحظة، وبهم القلب مشغول، ورسالته للقتلة "حسبي الله ونعم الوكيل".
لقد أصبت الاختيار يا أسامة، فمن للمكلومين والمظلومين والثكلى غير الله والصبر، ويلاحظ هنا مع الطفل أسامة حجم الصدمة في مخارج الحروف، ويظهر واضحا أن القتل الإسرائيلي يبني جيلا من الأشداء والغاضبين لماضيهم .. فهل تدرك إسرائيل أن الموت ينجب مقاومة.
أما أشرف (17) فيقول أتمنى الشهادة، وعن من غادروا نحو الله في براق الشهادة "نفتخر بما شهداء ثلاثة أشقاء وأب"، فيما يلهث الدعاء لله أن تنجو الأم وتعود سالمة لباقي أسرتها التي تحولت لستة أفراد بدلا من عشرة.
ويتمنى أشرف أن تتمكن المقاومة من صناعة طيارات تستطيع نقل الرعب الى المعسكر الآخر، ويؤكد أن الطيارين يكذبون على شعبهم الإسرائيلي بالحديث الوهمي عن بنك الأهداف العسكرية.. فيما الواقع هو أهداف مدنية بامتياز والصورة تؤكد وقائمة الشهداء توضح لمن أراد الحقيقة.
الطفلة سندس (5 سنوات) لم تدرك حجم ما جرى لأسرتها بحكم السن والبراءة الكبيرة التي تتمنى السلامة لأمها، وتروي حكاية لحظة الموت الطويلة بصدق الأطفال المستهدفين من أهم الجيوش في العالم وأكثرها تفوق تكنولوجي.
بيت حجازي المدمر تحيط به عدة منازل بشكل ملاصق، مما أدى إلى تدمير جزئي ورحيل بعض الأسر المجاورة، ولم تنسى الجارة (أم أحمد) ما شاهدته من شهداء وجرحى تحت الركام.
وقالت الجارة أن القصف كان بدون صوت ،فلم نرى إلا انهيار المنزل وتحطم زجاج نوافذنا، الأطفال تحت التراب والأب ينتشل وهو ساجد، وتواصل "أبنائنا شهداء إن شاء الله، وإسرائيل مجنونة وغبية، وأقسى لحظة وأصعبها انتشال الأطفال من تحت الركام(...) والحمد لله".
يقول الدكتور أشرف القدرة المتحدث باسم وزارة الصحة أن الاحتلال استهداف عدد من المنازل والعائلات ومنها عائلة الدلو مما أدى إلى استشهاد 12 و إصابة 11 آخرين، وعائلة أبو زور مما أدى إلى استشهاد 3 و إصابة 20، وكذلك عائلة أبو كميل مما أدى إلى استشهاد 5 و إصابة العديد، و تدمير منزل النصاصرة الذي أدى إلى استشهاد 2 و إصابة 2 آخرين وأخيرا عائلة حجازي التي نحن في ضيافتها قدمت 3 شهداء و12 جريح.
وحصيلة العدوان (8 أيام) كشفت وزارة الصحة أن عدد الشهداء 170 فلسطينياً من بينهم 43 طفلاً وأصيب أكثر من 1200 آخرين من بينهم 431 طفلاً.
الطيارون الإسرائيليون وغرف التحكم الاستخبارتية لم يعجبها أن يقف الأب فؤاد حجازي للصلاة على سجادته أو كفنه المزركش، وأزعجهم أن يلعب صهيب ومحمد بدراجاتهم في فناء البيت، فيما يلهو الآخرون في متابعة التلفاز على رائحة ما تطهو الأم لعشاء لم يتم. فقرر قادة الحرب ارتكاب المجزرة التي ستلاحقهم ضمن معركة الحياة مع الموت وستواصل ضحكات الضحية محاصر الجلاد بين الخوف والعقاب.

