الإنتفاضة الثالثة: أسئلة كثر، وباب موارب ؟!
ايهاب الجريري - مدير البرامج والأخبار، إذاعة راية أف أم
تكثر الأسئلة مؤخرا حول التوجهات الشعبية الفلسطينية من أجل إنتفاضة ثالثة، فهل هي قادمة فعلا؟ وهل ما يحدث الآن هو مقدمات لها؟ متى ستنفجر فعلا وتصبح حالة في الوطن؟ ما هي طبيعتها؟ هل ستكون مسلحة؟ ما هو موقف القيادة الفلسطينية منها، هل ستدعمها أم أنها ستواجهها في محاولة لكبح جماحها؟ ثم، هل الإنتفاضة الثالثة لمصلحة شعبنا وقضيتنا الوطنية في هذه المرحلة أم لا؟
وماذا سيكون الموقف العربي والدولي منها؟
لقد طرحت هذه الأسئلة بتلقائية نتاج الحراك الشبابي والمواجهات التي اندلعت تضامنا مع الأسرى وخاصة المضربين عن الطعام منهم، وهي أسئلة طبيعية في ظل كل ما يجري. وسواء كانت الإجابة مبنية على سؤال واحد أو على إجابات لأسئلة عدة، فإن كل الحيثيات تشير إلى أن الباب موارب لانتفاضة ثالثة أكثر من أي وقت مضى.
علينا جميعا أن نتذكر بأن الأسئلة الأهم التي بدأت حول امكانية اندلاع انتفاضة ثالثة، رافقت بالأساس المواجهات التي اشتعلت في الضفة والقدس المحتلتين خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهي التي كانت أعنف وأشمل وأضخم من المواجهات التي تجري هذه الأيام تضامنا مع الأسرى، وأعتقد، أن تلك الأسئلة منذ ذلك الحين، لم تبرح تفكير قيادات جيش الإحتلال ومخابراته، وهي التي سيطرت على الصحافة الإسرائيلية في حينه، التي تفاجأت بحجم المواجهات، وتحديدا في القدس. وبالتالي فإن تكرار تلك الأسئلة الآن، ما هو إلا دليل آخر على أن الإنتفاضة الثالثة بالفعل بدأت تقرع الأبواب.
إن التغيرات المختلفة في الساحة الفلسطينية على أكثر من صعيد، تساعد على فتح ذلك الباب الموارب للإنتفاضة الثالثة، رغم حالة التضييق الآخذة بالإتساع على النشطاء السياسيين، سواء كان ذلك التضييق داخليا أو من طرف الإحتلال، وهو ذات التضييق الآخذ بالإتساع على حرية الرأي في الساحة الفلسطينية. إن ما يمكن أن نقرأه من طبيعة هذا التضييق، هو حجم التأثيير المتزايد للنشطاء والإعلام وصفحات التواصل الإجتماعي وحالة التعبئة المباشرة وغير المباشرة المستمرة في الفضاء الفلسطيني منذ الحرب على قطاع غزة، والتي تتزايد يوما بعد يوم مع كل حادثة اعتداء من قبل المستوطنين والاحتلال، او جراء كل ما يجري في القدس من تهويد وتمييز عنصري وتطهير عرقي.
مما لا شك فيه، بأن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لا تحبذ الإنتفاضة الثالثة، وهو نهج اعتدنا عليه منها. ومما لا شك فيه أيضا، بأن قيادات كثر في العديد من الأحزاب الفلسطينية المختلفة أيضا لا ترغب باندلاع الإنتفاضة الثالثة، مع التأكيد على عدم التعميم، لأن القيادات الوسطى في بعض الأحزاب السياسية، وخاصة الشباب منهم يتوقون لإنتفاضة ثالثة لتعزيز مواقعهم القيادية، وربما، لإيمان البعض منهم بحتمية وضرورية الإنتفاضة الثالثة، وهذا ما يمكن أيضا اسقاطه على قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولمن لا يعرف، فإن بعضها بدأ منذ حرب غزة حالة تعبئة مباشرة تحضيرا لمواجهة محتملة مع قوات الإحتلال، وهو الأمر الذي لا يمكن إلا أن يكون مؤشرا آخر على وضع هذا الخيار في الحسابات المنظورة قريبة المدى.
عند الحديث عن انتفاضة ثالثة، فإن صورة مختلفة للخارطة السياسية الفلسطينية تبدأ بالتبلور، لعل من أبرز خطوطها تعاظم دور الحلقات الوسطى في اتخاذ القرار وقيادة الصراع على الأرض، وهو الدور الطبيعي التاريخي لها، وذلك يظهر جليا في النشاط المحموم للجان الشعبية ضد الجدار والاستيطان، والإبداعات المذهلة لمقاومة الاستيطان والجدار، والتي شكلت في الفترة الأخيرة هوسا أمنيا لدى الإحتلال وخاصة بعد تجربة قرية باب الشمس. ولعل من أبرز معالم هذه الخارطة، تراجع دور الأحزاب الصغيرة في المشاركة، وتراجع دور مؤسسات المجتمع المدني في الحراك الشعبي، وبروز دور الشباب والطلبة والنشطاء السياسيين والمبادرات الشبابية المختلفة في اتخاذ القرار واستقطاب المشاركين في مختلف الأنشطة. إننا على وشك أن نرى تأطيرا حقيقا لدور الشباب خارج الأطر الكلاسيكية المعروفة على شكل النقابات والأحزاب الفلسطينية، التي يتراجع دورها بشكل لم يسبق له مثيل في العشرين سنة الأخيرة. أما الحكومة فليست أكثر من إدارة لبعض التحويلات والقروض التي يتم من خلالها دفع المعاشات، والكثير من المصاريف الزائدة، وأحيانا إدارة بعض مشاريع التطوير الموولة، وفي سياق ما نتحدث عنه، فإن آخر ما يمكن أن نراه في هذه الخارطة هو الحكومة الفلسطينية ومن خلفها ما كان يسمى بالمجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تحول إلى مجرد رقم لحجم مصاريفه سنويا، وهو الذي أبقى البلد برمتها في حالة من التخبط القانوني.
إن كل ما يجري، سواء من أزمة مالية، وتأخر للرواتب، وارتفاع مستويات الفقر والبطالة، وتراجع مستويات التعليم، وتردي الخدمات الصحية، والتعثر المستمر لمركب المصالحة، بغض النظر عن أسبابها، تشير إلى اقتراب الإنفجار، وهو الإنفجار الذي لا يمكن إلا أن يترجم على شكل انتفاضة ثالثة، ربما تترافق مع انتفاضة داخلية لها علاقة باستياء الناس من النظام الاقتصادي الذي يعزز اللاعدالة الإجتماعية بأسوأ أشكالها في مجتمع يرزح تحت الإحتلال. إن كل ذلك يتساوق مع نظرية نتنياهو نفسه للحل الاقتصادي للصراع، وهو ما يتم حشرنا في ثناياه شيئا فشيئا. وهو الحل الذي يبدو أن الأطراف الدولية تسعى لتعزيزه، ابتداء من البنك الدولي، مرورا بإوروبا وانتهاء بالدول العربية.
إن ملامح الإنتفاضة الثالثة أقرب إلى ملامح الإنتفاضة الأولى منها إلى الثانية. أولا لأن الإنتفاضة الثالثة قد تكون انتفاضة ريفية بإمتياز كالأولى، خاصة وأن الريف يتعرض يوميا لاعتداءات المستوطنين، حيث بات الاستيطان على محاذاة القرى الفلسطينية وليس كما كان سابقا في رؤوس الجبال البعيدة. ثانيا لأن حالة التهميش الأوسع تتشكل في الريف، مع تركيز غير مبرر على إعادة اجترار مشاريع التجديد في المدن على حساب تهميش الريف. ثالثا، ان عسكرة اي انتفاضة لم تكن في يوم من الأيام قرارا شعبيا، بقدر ما كانت محاولة للسيطرة على سير الانتفاضة نفسها، وبالتالي تهميش الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا من المشاركة فيها، وكذلك التحكم في خط تصاعدها وتراجعها وفقا للتطورات السياسية. أما التخوف من حالة الفوضى التي سادت نهاية الانتفاضة الثانية فهو أمر برسم الأجهزة الأمنية والقرار السياسي ومدى حزمه في كبح هذا الفلتان، فلم يكن الفلتان في يوم من الأيام سوى تعبير مختل لحالة لم يتم ضبطها لعناصر محسوبة بشكل او بآخر على اتجاهات واضحة ومعروفة.
إن اوباما لن يكون قادرا، مهما بلغ حجم تأثيره، على كبح جماح انتفاضة ثالثة، فهو ان كان يستطيع التحكم بتدفق المال، وبالضغط على الدول العربية، وهو بالطبع يسعى إلى تعزيز رؤية نتنياهو للحل الاقتصادي، فلن يكون قادرا على التأثير على دفق المواجهة المتنامي في ذهنية الشباب، خاصة في ظل انسداد الأفق الأوضح والأكثر قسوة من انسداد الأفق ابان الانتفاضة الثانية، ولربما كانت الإنتفاضة الثالثة فقط تنتظر مناسبة خاصة، لتبرر اقتحامها لهذا الباب الموارب.
أخيرا، لم يعد مخفيا على أحد، أن خيار المفاوضات لم يقدم شيئا يذكر، بل إن الاحتلال وظف كل دقيقة في ظل المفاوضات لعتزيز وتوسيع الاستيطان تماما كما فعل مع وقف المفاوضات، وبالتالي، بات أمرا واضحا لجيل جديد من الشباب بأن حالة الركود القاتلة التي يعيشونها على مختلف الأصعدة، تنتظر منهم فعلا واضحا على الأرض، وهو كل ما يستطيعون تقديمه في ظل مختلف المعادلات المحيطة، وهذا الفعل، ليس إلا الإنتفاضة، التي بأقل تقدير، ستعيد قضية شعبهم على الخارطة السياسية في العالم، في ظل كل ما يجري في العالم العربي من تشتت وانقسام وفقدان للبوصلة.

