الفوائض المالية سلاح الدول الخليجية بمواجهة تراجع النفط
رام الله - رايــة:
تدعو هيئات اقتصادية عديدة وخبراء، دول الخليج العربي الست، إلى استثمار الفواض المالية التي جنتها خلال السنوات السابقة، لتعويض الخسائر التي تكبدتها خلال الأشهر الثمانية الماضية، من جراء تراجع أسعار النفط.
ويرى خبراء ضرورة استثمار الدول الخليجية لهذه الفوائض في الدول التي استفادت من انخفاض أسعار النفط، واستغلال الفوائض في تنويع مصادر الاقتصاد المحلية، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي لهذ الدول.
* نمو الاقتصاديات الخليجية
ذكر تقرير متخصص أن الاقتصاد الخليجي حقق، العام الماضي، نمواً بنسبة 4.2% مقارنة بـ4.1% في 2013، وبقيمة إجمالية تناهز 1.7 تريليون دولار، مقارنة بنحو 1.65 تريليون دولار عام 2013. وأسهمَ نموُّ مستويات الإنفاق الحكومي، وتحسنُ ظروف القطاع الخاص في هذه الدول، في نمو الناتج المحلي غير النفطي في المنطقة بنسبة 6.1% عام 2014، مقارنة بنسبة 5.7% عام 2013.
واستطاعت دول مجلس التعاون رفع مساهمة بعض القطاعات الاقتصادية الإنتاجية في ناتجها المحلي الإجمالي، لا سيما القطاع الصناعي الذي تبلغ مساهمته حالياً 10%، ومن المخطط له أن ترتفع إلى 25% في العام 2020، مستفيدة من النمو المتواصل للقطاع، وحجم الاستثمارات الحكومية والخاصة المتدفقة في المشاريع الصناعية.
وتوقعت الأمانة العامة لاتحاد الغرف الخليجية أن يتضاعف حجم الاستثمار الصناعي في دول المجلس نحو ثلاث مرات، ليتجاوز التريليون دولار عام 2020، بعد إنجاز تجهيز المدن الصناعية.
وأما الناتج النفطي الخليجي، فقد حقق نمواً بنسبة 0.6% فقط في عام 2014، مقارنة بـ0.7% عام 2013، وهو ما يعكس تراجع الإيرادات النفطية.
وتوقع تقرير اقتصادي صادر عن معهد التمويل الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج سيشهد استقراراً أو ارتفاعاً طفيفاً، حيث من المتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي لكل من البحرين والكويت استقراراً في 2015 و2016 لينمو بنسبة 3.2% و1.7% على الترتيب. في حين يشهد الناتج المحلي الإجمالي للإمارات ارتفاعاً بنسبة 3.6% في 2015، و3.8% في 2016، ولكن تنخفض نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من عُمان وقطر والسعودية انخفاضاً طفيفاً.
* الفوائض المالية
وتشير إحصائيات صندوق النقد الدولي إلى أن عائدات دول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت من 366 مليار دولار في العام 2009، إلى 729 مليار دولار في العام 2013. وجمعت هذه الدول احتياطيات مالية تقدر بـ2.45 تريليون دولار، راكمتها خلال السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع أسعار النفط. ووفق معهد "المالية الدولية"، فإن دول الخليج تدير نحو 2.28 تريليون دولار عبر صناديقها السيادية، ولذلك فهي قادرة على الصمود عدة سنوات قادمة في حال استمرار تراجع أسعار النفط.
وتشكل العائدات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي 46% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم فإن التراجع من شأنه أن يسبب ضغوطاً اقتصادية كبيرة على هذه الدول، مع أن السعودية تحتفظ بقرابة 750 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي، كما تمتلك كل من الكويت والإمارات، وهما من بين الدول الأعضاء في أوبك، احتياطياً يقدر بنحو 100 مليار دولار فيما بينهما.
وقال معهد الثروات السيادية: إن دول مجلس التعاون الخليجي استحوذت على أكثر من 2.3 تريليون أو 35% من الثروات السيادية بحلول منتصف 2014. ووحدها الإمارات تمتلك ثروة تفوق تريليون دولار، أو نحو 16% من الثروة السيادية العالمية، كما أن الكويت والإمارات وقطر لديها أعلى الفوائض من إجمالي الناتج المحلي السنوي لكل منها، وبنسب 24.1% و9.8% و6.6% على التوالي.
ونظراً لذلك، أشار وزير المالية القطري إلى أن هذه الاحتياطيات قادرة على تعزيز خطط التنمية المستدامة، وتغطية أي عجز يمكن أن يواجه دول المنطقة، خلال المرحلة الحالية، نتيجة تراجع إيراداتها المالية.
* أماكن استثمار هذ الفوائض
وأظهر تقرير اقتصادي، أعدته الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي الست، أن دولاً مستهلكة للنفط استفادت من انخفاض أسعاره طوال الأشهر الماضية، وهي دول ذات اقتصاديات ناشئة، لذلك يجب أن تشكل هذه الدول محور اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة المقبلة والتحرك في اتجاهها والاستفادة من مواردها الزراعية والحيوانية والصناعية في بناء شراكات استراتيجية معها، تحقق عوائد جيدة للأموال الخليجية، وتنفيذ مشاريع استثمارية إنتاجية تحتاجها الأسواق الخليجية، مثل المشاريع الزراعية والحيوانية والسمكية والمشاريع الصناعية، ومشاريع البنى التحتية والطاقة، ومشاريع الأغذية والماء وغيرها من المشاريع.
وتقول الإحصائيات المتوافرة: إن الاستثمارات الخليجية تضاعفت أكثر من أربع مرات ونصف خلال فترة 15 سنة الماضية، وقفز كذلك حجم الاستثمارات الصناعية في دول الخليج من 81 مليار دولار في عام 1998، إلى نحو 370 مليار دولار في عام 2013، ومع أن هذه الاستثمارات تمثل تطوراً إيجابياً، إلا أن المؤسسات الدولية تؤكد أنه ما زال دون طموحات دول مجلس التعاون الخليجي وقدراتها المالية الكبيرة.
* تنويع الاقتصاديات
تميزت السنوات الأخيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بنمو أفضل للقطاع غير النفطي، حتى أصبح يعادل أكثر 50% من الاقتصاد الخليجي، فيما يشكل النفط نحو 49% من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي، وهو ما اعتبر مؤشراً مهماً لتنويع مصادر الاقتصاد والدخل.
وهذا التنويع جاء نتيجة عوامل سياسية تمر بها المنطقة، واستقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة من خمس سنوات إلى ست، ما مكّن دول الخليج من تكوين احتياطيات مالية ضخمة والتوجه المتزايد لتنويع مصادر الاقتصاد، ليصبح الاعتماد على النفط أقل من القطاعات الأخرى.
وقالت تقارير اقتصادية متخصصة: إن دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى رفع مساهمة القطاع الصناعي في ناتجها المحلي الإجمالي إلى 25% بحلول العام 2020 مقارنة بنحو 10% في الوقت الحالي، ما يعكس النمو المتواصل لهذا القطاع، وحجم الاستثمارات الحكومية والخاصة المتجهة نحو المشاريع الصناعية.
وتوقعت المصادر الاقتصادية أن يبلغ حجم الاستثمار الصناعي الخليجي قرابة تريليون دولار بحلول عام 2020 بعد انتهاء دول المجلس من تجهيز المدن الصناعية التي يجري العمل فيها في الوقت الحالي، حيث تعمل هذه الدول على تعزيز القطاع الصناعي ضمن استراتيجياتها وخططها القائمة على تنويع مصادر الدخل تلافياً للاعتماد على النفط، على الرغم من اعتمادها على النفط لتأمين إيراداتها المالية حتى الآن، حيث تبدأ بـ77% لدى الإمارات مروراً بـ 85% للسعودية، ليصل إلى 93% للكويت.
* خسائر دول الخليج النفطية
تقدر المصادر الخليجية أن دول الخليج خسرت خلال الأشهر الستة من العام الماضي 2014 نصف عائداتها المالية، مقارنة بعام 2013، البالغة 740 مليار دولار، وكشف البنك الدولي في تقرير له أن دول مجلس التعاون الخليجي ستخسر نحو 215 مليار دولار من العائدات النفطية خلال ستة أشهر، في حال استمرار أسعار النفط حول 50 دولاراً للبرميل، أي أكثر من 14% من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة.
وقدر صندوق النقد الدولي خسائر الدول الخليجية النفطية بأكثر من 280 مليار دولار في صادرات النفط خلال عام 2015 إذا بقي سعر البرميل 60 دولاراً.
ومن وجهة نظر وحدة الأبحاث الدولية في بنك "إتش إس بي سي"، فإن المملكة العربية السعودية تملك ما يكفي من الاحتياطات المالية للاستمرار في نفس مستوى الإنفاق الحالي لثلاث سنوات قادمة (2015-2016-2017 ).
وتبرز أهمية دول الخليج في ضخامة حصتها الإنتاجية المؤثرة في أسواق النفط العالمية، إذ تنتج أربع دول منها (السعودية، الإمارات، الكويت، وقطر) نحو 16 مليون برميل يومياً، أي أكثر من نصف إنتاج دول "أوبك" اليومي، والذي يصل إلى 30.5 مليون برميل، وتصدر منها نحو 13 مليون برميل يومياً.
إن انخفاض أسعار النفط العالمية لن يؤثر في الاقتصاديات الخليجية وفي موازناتها السنوية في المرحلة القادمة، لأنها تمتلك فوائض مالية ضخمة، كما أنه لن يكون له تأثير يذكر على توجهات المستثمر الخليجي الذي يرغب في الاستثمار في المنطقة العربية بشكل خاص.
ويبدو توجه دول الخليج للتركيز على ضخ استثمارات في المنطقة العربية أفضل بكثير من تقديم الدعم النقدي لهذه الدول، إذ إن الاستثمار المباشر يسهم في توفير فرص عمل مستدامة، ويحمل عوائد مالية للدول المستثمرة، فضلاً عن عوائد الاستثمارات التنموية في الاقتصاديات الناشئة.
المصدر: الخليج اونلاين

