الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:07 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:54 PM
المغرب 5:22 PM
العشاء 6:39 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

استثمارُ فضائحِ إِبْسْتِين كأداةِ ابتزازٍ سياسيٍّ لصالحِ إسرائيل

الكاتب: د. محمد عودة

ليس من الضروري افتراض وجود اتفاقٍ سريٍّ مكتمل الأركان لفهم ما جرى في الشرق الأوسط خلال القرن الأخير؛ يكفي تتبّع تهيئة الظروف، وإيجاد تراكمٍ للعوامل المساعدة والخيارات المتاحة. فالتاريخ الاستعماري لا يعمل بأسلوب واحد، بل عبر إدارة ذكية للتناقضات، وتغذية الصراعات، وفتح مسارات تُفضي في النهاية إلى الهيمنة المباشرة وغير المباشرة. وقد ثبت بالدليل طول نَفَس هذه الإدارة التي تُتقن الانتظار والتحليل، والتحرك عند اللحظة الحرجة، فتصنع النتائج قبل أن يظهر أي ضوء على نواياها، وتحوّل الفوضى إلى أداة استراتيجية أكثر فاعلية، بحيث يصبح استثمار النتائج والتحكم بها أسهل.

عندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، بدا المشهد صادمًا للغرب؛ نظامٌ حليف يُسقطه تيار ديني راديكالي يرفع شعار «لا شرقية ولا غربية». لكن النجاح لم يكن منفصلًا عن السياق الدولي والإقليمي الذي سبقها، وإقامة الخميني في باريس لم تكن تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشرًا على هامش الحركة المسموح به في لحظة كان فيها الشاه مستهلكًا سياسيًا وتحول إلى عبء استراتيجي. الثورة نجحت في ظل فراغ أيديولوجي وسياسي، وظروف مهيّأة لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، إذ ساهم تقاطع الظروف الدولية مع الغضب الشعبي الإيراني واستثمار الفراغ الأمني والسياسي الذي تركته القوى الغربية في تحويل إيران من أداة هامشية إلى محور إقليمي لا يمكن تجاهله.

قبل ذلك بعقود، كانت المشاريع الاستعمارية تصطدم بصعود القومية العربية، من مصر الناصرية إلى سوريا والعراق، مرورًا بتجارب تحررية اعتبرت الاستقلال السياسي والاقتصادي تهديدًا مباشرًا للمصالح الغربية. القومية أغلقت أبوابًا كثيرة أمام التحكم الخارجي، فكان لا بد من أدوات تفكيك لا تواجهها وجهًا لوجه، بل تحيط بها من الداخل، تفتّت وحدتها، وتحوّل خطابها من مشروع تحرري جامع إلى صراعات داخلية معلّقة، تستنزف طاقتها في خلافات يمكن توجيهها لصالح الخارج. هنا ظهر منطق تفكيك الدولة قبل تفكيك الشعوب، واستنزاف الإرادة الوطنية قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي.

في هذا السياق، لم يُخلق الاستثمار في الحركات الجهادية من فراغ. فالولايات المتحدة وحلفاؤها أحسنوا استخدام الدين المتطرف، بدءًا من أفغانستان في الثمانينيات، لإعادة تعريف العدو في وعي المجتمعات، من استعمار وهيمنة إلى صراع هويات. حين تتحول المعركة إلى دينية، تتراجع الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية، وتتفكك المشاريع القومية والوطنية الجامعة. هذه الحركات شكّلت أداة مزدوجة: تهدد الخصوم وتبني أحزمة من الفوضى يمكن التحكم بها، لكنها تبقى قابلة للانفجار عند أي خطأ في التوقيت أو الحسابات، خاصة مع دخول المال والسلاح كعنصرين يضاعفان التأثير.

بعض الحركات الجهادية السنية خرجت عن الدور المرسوم لها، مهدِّدةً حلفاء الغرب أنفسهم، فظهرت الحاجة إلى نقيض ديني ومذهبي لإعادة ضبط التوازن. الثورة الإيرانية، رغم استقلاليتها، وجدت نفسها محورًا لإعادة تشكيل المنطقة على أساس مذهبي. صراع سني–شيعي يتحول من صراع سياسي إلى شبكة إدارة شاملة، تضمن السيطرة على الأراضي والسكان والهويات، وتحوّل كل نزاع داخلي إلى أداة ضغط على الأطراف المعادية، ما يحوّل الصراع إلى آلية لإعادة هندسة المنطقة وليس مجرد سياسة.

التحول من صراع سياسي تحرري إلى صراع مذهبي لم يكن عفويًا؛ فالشرق الأوسط صار منطقة تُستنزف قواه بعضها ببعض، وتُعاد فيه هندسة الولاءات على أساس الهوية لا المصلحة. في هذا الشرق الأوسط، تصبح إسرائيل القوة الوحيدة المتماسكة، بجيش موحّد، واقتصاد متقدم، ودعم غربي غير مشروط، مقابل كيانات ممزقة تُدار أزماتها ولا تُحل. أي مشروع قومي أو سياسي مستقل صار أشبه بظاهرة عرضية، يُقضى عليها مسبقًا عبر أدوات داخلية وخارجية متكاملة، لتبقى المنطقة تحت رحمة الفوضى المُدارة.

 

السؤال اليوم: لماذا يتخلى الغرب عن النظام في إيران؟ الإجابة تكمن في منطق الأدوات المنتهية الصلاحية. فإيران أنجزت دورها في كسر البيئة القومية العربية وتعميق الصراع المذهبي، لكنها تحولت إلى لاعب مستقل يفاوض، يبتز، ويمدّد نفوذه خارج السقوف المرسومة. وعندما تتجاوز الأداة حدود وظيفتها، يصبح استبدالها أو تحجيمها أمرًا حتميًا، وجزءًا طبيعيًا من إدارة النظام العالمي، حيث تتحول كل أداة، في وقت ما، إلى خصم محتمل.

هذا المنطق يظهر أيضًا في مفهوم «الفوضى الخلاقة» والربيع العربي. التدخل العسكري المباشر في العراق، ثم الانسحاب من فكرة الدولة المركزية، أفرغ الدولة من قدرتها على احتكار العنف، وفتح المجال للميليشيات والطوائف. أما الربيع العربي، فرغم مطالبه المشروعة، فقد جرى توجيهه نحو التفكيك بدل الإصلاح، ونحو الصراع الأهلي بدل التحول الديمقراطي. الجيوش، الإعلام، العقوبات، الاقتصاد، تسليح الوكلاء، وإغراق الدول في أزمات مستدامة كانت أدوات لإجهاض أي تجربة قومية أو سيادية، وتحويل الثورات الشعبية إلى فوضى مُدارة تُعيد توزيع القوة بين الأطراف المحلية والخارجية.

توقيت نشر فضائح إبستين لم يخضع للصدفة، بل شكّل عاملًا محوريًا في إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد. شبكات النفوذ، المال، الابتزاز، والعلاقات العابرة للحدود تكشف كيف تُدار الإمبراطوريات الحديثة. فالسيطرة لا تُمارَس بالقوة فقط، بل عبر التحكم بالقيادات وصناعة الخوف، وترسيخ قابلية الانصياع لدى الشعوب. ما يحدث على السطح من إعلام وفضائح لا يعدو كونه أداة استراتيجية لإعادة ضبط التحالفات، وتحديد الولاءات، وخلق أزمات جديدة. إبستين ليس مجرد فضيحة أخلاقية، بل نموذج عملي لكيفية صناعة الصراعات وتوجيه النفوذ بطريقة غير مباشرة، تحاكي الفوضى الخلاقة والربيع العربي، لكن هذه المرة عبر المال والابتزاز الاجتماعي والسياسي، لا عبر الجيوش فقط.

في الخلفية، يظل البعد الفكري التخطيطي القديم حاضرًا بقوة، من رؤى ويليام غاي كار حول الصراع العالمي والهندسة الدينية، إلى مشاريع برنارد لويس لتقسيم المنطقة على أساس إثني ومذهبي، وصولًا إلى محاولات حديثة لإعادة صياغة الدين تحت مسمى «الديانة الإبراهيمية»، حيث يُفرغ الإيمان من بعده التحرري والأخلاقي، ويُعاد تقديمه كإطار توافقي منزوع السياسة، صالح للتعايش مع الهيمنة. هذه الخطط لم تولد فجأة، بل تمتد جذورها إلى حقبة كرومويل، مرورًا بحملة نابليون على مصر، وصولًا إلى التحولات الاستعمارية الحديثة التي رسخت منطق تفكيك الخصم عبر الهويات والأزمات المستمرة، لتصبح المنطقة قابلة لإعادة هندسة دائمة.

بهذا المعنى، ما نراه اليوم ليس فصلًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة طويلة. الشرق الأوسط لم يُعاد تشكيله مرة واحدة، بل يُعاد تشكيله باستمرار، عبر كسر القوى، وصناعة البدائل، ثم كسر البدائل نفسها، مع تحويل الدين والسياسة والعسكر والشعوب إلى أدوات في شبكة متشابكة. السؤال الحقيقي لم يعد: هل هناك خطة؟ بل من ينجح في كسر هذه الحلقة، وإعادة تعريف الصراع بوصفه صراع تحرر وسيادة، لا صراع هويات مُدارة وفوضى مُسيّسة بعناية تُخضع الجميع لمشيئة القوى الكبرى. وأمام كل ذلك، لا بد من وقفة جادة تضع شعوب المنطقة وقواها التحررية في مواجهة أدوات الاستعمار الداخلية، لمنع نجاح مشروع الهيمنة، على طريق إعادة اللحمة بين الشعوب كافة اسهاما في ترسيخ عالم اكثر  تعددية وعدلا وانصافا واخلاقا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...