بانوبتيكون غزة: حين يتحول الإعمار إلى أداة للضبط والسيطرة
الكاتب: نبهان خريشة
أثناء حديث مع د. محمد إشتيه، أشار الى ان الصور التي عرضها الأمريكيون في مؤتمر دافوس الأخير، لرؤيتهم لإعادة الإعمار في قطاع غزة بدءً برفح، ظهر مبنى دائري ذكَرَه بمبنى صممه مهندس او مفكر بريطاني في القرن الثامن عشر، تتم فيه السيطرة الكاملة على السجناء من مركز مراقبة واحد فقط ويتم التحكم بهم من خلال الخوف من انهم مراقبون دائما. فعلا بعد البحث العميق في الإنترنت تبين لي ان ما قاله دكتور اشتيه صحيح: مبنى دائري، مركز واضح ومهيمن، أطراف مصطفّة على المحيط، توزيع بصري. إنه نموذج "البانوبتيكون"
والبانوبتيكون الذي صاغه المفكر البريطاني جيرمي بنثام في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن مجرد تصميم لسجن، بل فلسفة حكم. الفكرة تقوم على وجود مركز مراقبة يرى الجميع، بينما لا يرى أحد من فيه. السجين لا يعرف إن كان تحت المراقبة في تلك اللحظة أم لا، فيتصرف على الدوام كما لو أن العين مسلطة عليه. هكذا تنتقل السلطة من العنف المباشر إلى الضبط الذاتي، ومن العصا إلى الخوف الصامت. لاحقا، سيلتقط ميشيل فوكو هذه الفكرة ليجعل منها استعارة للمجتمع الحديث القائم على الانضباط والمراقبة، حيث تُدار الأجساد والعقول بلا حاجة إلى سلاسل ظاهرة.
في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع تطور وسائل الإعلام والبيروقراطية، تعمق نموذج البانوبتيكون ليصبح المراقَب شريكا في مراقبة ذاته، بحسب وصف ميشيل فوكو. أما في القرن الحادي العشرين، فقد خرج البانوبتيكون من الفضاء المادي إلى الفضاء الرقمي. الكاميرات والهواتف الذكية والبيانات الضخمة، ومنصات التواصل الاجتماعي أعادت إنتاج الفكرة على نطاق غير مسبوق، حيث يُراقَب الإنسان طوعا، ويُحلّل سلوكه لحظة بلحظة. وهكذا تحولت رؤية بنثام من برج واحد في مركز سجن إلى شبكة عالمية غير مرئية، تجعل المراقبة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
قد يقول قائل إن الصورة في العرض الأمريكي لنماذج الإعمار في قطا غزة لا تعدو عن كونها صدفة معمارية أو اختيارا جماليا لا أكثر، لكن في الحالة الفلسطينية لا يمكن فصل الشكل عن الوظيفة، ولا التصميم عن السياسة. فحين نتحدث عن غزة، وخصوصا عن رفح في سياق "إعادة الإعمار"، يصبح كل خط وكل زاوية سؤالا سياسيا وأخلاقيا بامتياز. فحين نضع هذا النموذج إلى جانب تصورات إعمار غزة، يتكشف قلق عميق: هل المقصود إعادة بناء ما تهدم، أم إعادة تشكيل المجتمع نفسه؟ في رفح، المدينة التي دُفعت إلى واجهة الجغرافيا السياسية بفعل التدمير والتهجير، لا يبدو الإعمار مجرد عملية هندسية، بل إعادة كتابة للمكان ووظيفته. الحديث لا يدور فقط عن شقق سكنية وطرقات، بل عن أنماط حركة وحدود ونقاط تحكم، وآليات إدارة.
تحت شعار "الأمن" و"الاستقرار" و"منع عودة الفوضى"، يمكن بسهولة تحويل الإعمار إلى منظومة مراقبة شاملة. مجمّعات سكنية مخططة بعناية، مداخل ومخارج محددة، خدمات مرتبطة بأنظمة رقمية، تصاريح، كاميرات، وبنية تحتية ذكية لا تعمل إلا ضمن شروط. في مثل هذا السياق، لا يحتاج أحد إلى أن يقول للسكان إنهم مراقبون؛ يكفي أن يشعروا بذلك. وهنا تحديدًا يكمن جوهر البانوبتيكون: أن تُنتج الطاعة دون أوامر مباشرة.
المفارقة أن هذا النموذج يُقدَم غالبا بوصفه "إنسانيًا" أو"حضاريا". يقال إن الرقابة تحمي، وإن التنظيم يمنع العنف، وإن الإدارة المركزية تضمن العدالة في توزيع الموارد. لكن التجربة الفلسطينية الطويلة مع الاحتلال تعلمنا أن كل خطاب أمني يخفي خلفه سؤال السيطرة. رفح في هذا السيناريو، لا تُبنى كمدينة حرة، بل كحي مُدار، كسكان ينبغي ضبطهم لا تمكينهم. الإعمار هنا لا يعيد السيادة إلى الناس، بل يسحبها منهم بهدوء.
ولعل الأخطرمن ذلك أن هذا النوع من الإعمار يعيد تعريف الفلسطيني لا بوصفه صاحب حق، بل بوصفه موضوعا للإدارة. هو ليس مواطنا يشارك في تقرير مصيره، بل "مستفيدًا" من مشروع، مشروطا بحسن السلوك والامتثال. هكذا تتحول الحياة اليومية إلى اختبار دائم: أين تسكن وكيف تتحرك، متى تعمل ومن يراك. إنها سياسة تُمارس عبر الخرسانة والتكنولوجيا بدل الجنود.
رفح التي كانت تاريخيا فضاء مفتوحا على الحدود وعلى التجارة، وعلى التداخل الاجتماعي، مهددة بأن تتحول إلى نموذج لـ"مدينة بلا ظلال"، مدينة مكشوفة على الدوام، لا مكان فيها للاختفاء، ولا للخصوصية، ولا حتى للاعتراض. في مثل هذه المدينة، لا تحتاج السلطة إلى أن تقمع الاحتجاج، لأن الاحتجاج ذاته يصبح صعب التخيل في فضاء مراقَب ومدار بعناية.
إن إعمار غزة إذا أُريد له أن يكون فعل من افعال العدالة، يجب أن ينطلق من سؤال الكرامة لا من سؤال الأمن. يجب أن يعيد للناس قدرتهم على الاختيار، لا أن يستبدل القصف بنظام مراقبة، والدمار بخرائط ضبط. أما إذا جرى الإعمار بعقلية البانوبتيكون، فإن ما سيبنى لن يكون مدينة، بل سجنا بلا قضبان، سلاما شكليا، واستقرارا هشا يقوم على الخوف لا على الحرية.
ليست المشكلة في مبنى دائري ظهر في صورة، بل في الفلسفة التي قد تقف خلفه. فلسطين لم تعانِ من نقص في الخطط، بل من فائض في المشاريع التي تدار من فوق، وتفرض باسم المصلحة. وأي إعمار لا يعاد فيه بناء الإنسان قبل الحجر، ولا تعاد فيه السياسة إلى أصحابها، سيظل مجرد طبقة جديدة من السيطرة، مهما كان شكله أنيقا أو لغته ناعمة.

