حين يصبح التعليم قضية سيادة لا خدمة: لماذا يجب أن نعيد تعريف المعركة؟
الكاتب: د.ياسر أبوبكر
في اللحظة التي يُختزل فيها التعليم إلى "خدمة عامة" تُدار بالحد الأدنى من الإمكانات، نكون قد خسرنا المعركة قبل أن تبدأ. ليس لأن المدارس أغلقت، ولا لأن المعلم أُنهك، بل لأننا أخطأنا في تعريف ما ندافع عنه أصلًا.
التعليم ليس خدمة. التعليم قضية سيادة.
هذه ليست عبارة إنشائية. إنها توصيف دقيق لطبيعة الصراع الذي نعيشه. فالدول التي تدرك معنى السيادة لا تبدأ بالدبابات، بل تبدأ بالعقول. لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي قدرتها على إنتاج المعرفة، وصياغة الوعي، وتحديد ما يجب أن يُعلَّم، وكيف، ولماذا.
في الحالة الفلسطينية، تبدو المفارقة صارخة: نحن من أكثر الشعوب حديثًا عن التعليم، ومن أكثرها استثمارًا رمزيًا فيه، لكننا في الوقت نفسه نتعامل معه عمليًا كملف خدماتي قابل للتأجيل، أو التكيّف، أو الإدارة المؤقتة. نطالب بتحسينه، لا بإعادة تعريفه. نُصلح جزئياته، دون أن نسأل عن جوهره.
وهنا يكمن الخلل.
حين نُخضع التعليم لمنطق "الطوارئ الدائمة"، فإننا نحوله إلى نظام بقاء، لا نظام بناء. وحين نربطه فقط بالتمويل والرواتب والبنية التحتية، فإننا نفصل بينه وبين وظيفته الأساسية: إنتاج إنسان قادر على الفهم، والاختيار، والمواجهة.
وهذا أخطر من أي نقص في الموارد.
المشكلة ليست أن لدينا أزمة تعليم، بل أن لدينا تعريفًا قاصرًا لماهية التعليم نفسه.
هل هو نقل معرفة؟
أم إعداد لسوق العمل؟
أم وسيلة للترقي الاجتماعي؟
كل ذلك صحيح ،،، لكنه غير كافٍ في سياقنا.
في بيئة مستقرة، قد يكون التعليم أداة تنمية. أما في بيئة كبيئتنا، فهو أداة بقاء وكرامة ومعنى.
هو ما يمنع الانهيار الكامل للإنسان حين تنهار الظروف من حوله.
وهو ما يحفظ الرواية حين تُستهدف الذاكرة.
وهو ما يُبقي المجتمع قادرًا على إعادة إنتاج نفسه رغم كل شيء.
لهذا، فإن التعامل مع التعليم كقطاع خدماتي هو خطأ استراتيجي، لا إداري.
خطأ ينعكس في كل شيء:
في طريقة تصميم المناهج،
في موقع المعلم داخل المجتمع،
في طبيعة الخطاب التربوي،
وفي ترتيب الأولويات الوطنية.
المعلم، في هذا السياق، ليس موظفًا ينتظر راتبه- رغم مشروعية هذا الحق- بل هو فاعل سيادي.
ليس لأنه يملك سلطة، بل لأنه يملك القدرة على تشكيل الوعي.
وحين يُهمَّش المعلم، أو يُستنزف، أو يُختزل دوره، فإننا لا نخسر فردًا،، بل نخسر إحدى أهم أدواتنا في الصمود.
وكذلك الطالب، الذي لم يعد مجرد متلقٍ ينتظر المعرفة، بل أصبح-بحكم الواقع-شريكًا في إنتاجها تحت الضغط.
الطالب الفلسطيني يتعلم في ظروف لا تُدرّس في كتب التربية:
انقطاع، توتر، عدم يقين، وضغط نفسي مستمر.
ومع ذلك، يستمر.
هذه ليست قصة نجاح فردية، بل مؤشر على أن لدينا نموذجًا كامناً لم نقرأه بعد.
وهنا يأتي السؤال الصعب:
لماذا لا نحول هذا الواقع إلى نموذج؟
لماذا لا ننتج من تجربتنا نظرية، بدل أن نظل نحاول استيراد نظريات لا تشبهنا؟
الجواب مؤلم وبسيط: لأننا ما زلنا نفكر في التعليم كملف تحسين، لا كملف سيادة.
إعادة تعريف التعليم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية.
تعني أن نعيد ترتيب أولوياتنا:
أن نرى المعلم استثمارًا لا عبئًا،
والمحتوى التعليمي أداة تشكيل وعي لا مجرد مادة دراسية،
والمدرسة مساحة إنتاج معنى، لا مجرد مكان للحضور والانصراف.
وتعني أيضًا أن نتحرر من وهم أن الإصلاح يبدأ من التفاصيل.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الكبير:
ما نوع الإنسان الذي نريد أن ننتجه؟
دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، ستظل كل محاولات الإصلاح تدور في حلقة مفرغة، مهما كانت النوايا حسنة، أو الجهود كبيرة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطط التي تُكتب ثم تُنسى.
نحن بحاجة إلى قرار وطني واضح يعيد وضع التعليم في مكانه الطبيعي:
في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه.
لأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض ،،
بل على الوعي الذي سيحدد شكل الأرض ومعناها في المستقبل.
وحين نفهم ذلك، سنكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: كيف نُحسّن التعليم؟
بل: كيف نحمي سيادتنا من خلاله؟

