من المدرسة إلى العمل: مسار قسري لأطفال بلا خيارات
راية - أماني شحادة
على مفترق طرق مزدحم وسط مخيم النصيرات وسط مدينة غزة، يقف الطفلان مصطفى وعبد الله لا تزيد أعمارهم عن 15 عامًا، يحملون صندوقًا بلاستيكيًا صغيرًا مليئًا بزجاجات مياه باردة، تلاحق عيناهما السيارات والمارّة، فهي فرصهم لبيع المياه قبل غيرهم من الاطفال الذين يشابهون عملهم.
يقول مصطفى لـ "شبكة راية الإعلامية": "بكسب من المياه عشان أشتري بالفلوس معجنات أو شوكلاتة بحبها لأنه احنا وضعنا سيء بنقدرش أنا وأخي نشتري كل اشي، أبوي بشتغلش دايمًا وبوفرش كثير، احنا بنساعده".
يذكر عبد الله ما يعانيه هو وأخيه من هذا العمل: "كثير من السيارات بيشوفوناش من الزحمة وبقع بسببهم الصندوق وبرجع على البيت ثاني مسافة مشي لحتى نقدر نعبي مياه حلوة ونبيع وهاد بيكلفنا خسارة".
لا يعرف هؤلاء الطفلين معنى سوق العمل، لكنهم يعرفون جيدًا معنى أن يعودوا للبيت وفي يدهم شيء يساعد أمهم على إعداد وجبة بسيطة.
واقع عمالة الأطفال
برزت عمالة الأطفال كإحدى أخطر النتائج الاجتماعية والإنسانية المباشرة، في ظل حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 ولا زالت حتى اللحظة تمارس ضد القطاع رغم إعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب وفق خطته التي لاقت ترحيبًا من الجميع، لكن تبعات هذه الحرب لم تنتهي.
ونتجت عمالة الأطفال بسبب اتساع رقعة الفقر وفقدان الأسر مصادر دخلها أو معيلها الرئيسي، وأدت الحرب لانهيار منظومات الحماية الاجتماعية والتعليمية بشكل شبه كامل، حيث تحولت هذه الظاهرة إلى آلية بقاء قسرية تفرضها ظروف الحرب وما بعدها؛ لتعويض خسارة دخل الأسرة.
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، هناك 39,384 طفلاً في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما بعد 534 يوماً من العدوان الإسرائيلي، بينهم حوالي 17,000 طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أو رعاية.
العمل صباحًا بدل المدرسة
بعد إعلان وقف الحرب على غزة، لم يتوقف محمد (12 عامًا) عن الخروج منذ الصباح الباكر، حاملًا معه هموم الحياة التي تضيق أكثر، متجهًا نحو سيارة تجر عربة، ينادي بصوت عال "على دير البلح ونصيرات وين رايح"، يحاول جذب الركاب تجاه سيارة الأجرة التي يعمل مع صاحبها لجذب الركام وجمع الأموال منهم وترتيب السيارة حتى تكتمل وتمضي في طريقها.
يفتح محمد عيونه في خيمته المهترئة، متجهًا نحو العمل بدلًا من فتح المدارس أبوابها له، بعد أن أصبحت دمارًا أو مكانًا لإيواء النازحين، يقول لـ "شبكة راية الإعلامية": "كنت أحب الرياضيات عشان هيك اخترت أجي مع السواق وأحاسب الناس على الأجرة، بحفظ الأرقام والعد والطرح".
يتابع وهو يعد النقود التي جناها من هذا العمل الشاق بعد يوم متعب مليء بالحركة من مكان لآخر داخل القطاع في طرق غير صالحة للمشي أو الحركة وتحت شمس حارقة تتعب الجسد: "إذا ما اشتغلت اليوم، ما في خبز وأكل لأمي وأخوتي الصغار".
النضج قبل أوانه
يعاني الأطفال الذين يُدفعون قسرًا إلى سوق العمل بدل الذهاب إلى المدرسة من آثار نفسية عميقة تتجاوز التعب الجسدي، فحرمانهم من حقهم الطبيعي في التعليم واللعب يخلق لديهم شعورًا دائمًا بالقلق والخوف وانعدام الأمان، ويضعهم في مواجهة مبكرة مع مسؤوليات تفوق أعمارهم.
تظهر على الكثير من الأطفال علامات الانطواء، فقدان الثقة بالنفس، الإحباط، وأحيانًا الغضب الصامت، نتيجة شعورهم بأنهم عالقون في واقع لم يختاروه. ومع مرور الوقت، تتحول المدرسة من حلم مؤجل إلى ذكرى بعيدة، بينما يتآكل الإحساس بالطفولة تدريجيًا، ما يهدد صحتهم النفسية ويترك آثارًا طويلة الأمد على تكوينهم العاطفي وقدرتهم على بناء مستقبل مستقر.
تقول أم الطفل أحمد، النازحين من شمال قطاع غزة، بصوتها الخافت: "ابني اختلف عن طبيعته، ما بيتكلم كثير، برجع من الشغل وبيضل وحده، كأن العالم أثقل من أن يُحتمل على قلبه الصغير، كان يضحك بلا سبب، واليوم صارت الضحكة عبئًا مؤجلًا حتى إشعارٍ آخر".
وتُعدّ عمالة الأطفال انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفل المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، والتي تؤكد حق الطفل في التعليم، والحماية من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يُحتمل أن يكون خطرًا أو يعيق تعليمه أو يضرّ بصحته ونموّه.

