صدر للدكتور عمر رحال دراسة حول
"مستقبل حركات الإسلام السياسي الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية والدولية"
صدر للدكتور عمر رحال، أستاذ العلوم السياسية، دراسة جديدة بعنوان"مستقبل حركات الإسلام السياسي الفلسطينية في ضوء التحولات الإقليمية والدولية وتداعيات الصراع العربي - الإسرائيلي"، وقد نُشر جزء من هذه الدراسة في مجلة دراسات شرق أوسطية ، وهي مجلة محكمة، السنة الثلاثون، العدد (115)، ربيع 2026. وتأتي هذه الدراسة في سياق مرحلة إقليمية ودولية مضطربة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول دور حركات الإسلام السياسي وحدود حضوره في المجال العام، خصوصاً في الحالة الفلسطينية التي تتقاطع فيها أزمات التمثيل مع واقع الاحتلال والانقسام الداخلي.
تناولت الدراسة حركات الإسلام السياسي بوصفها ظاهرة سياسية متحولة وليست كياناً ثابتاً أو مساراً يمكن تفسيره بمنطق الصعود أو الانحدار التقليدي. وأنطلق الباحث من فكرة أساسية مفادها أن هذه الحركات لم تعد تتحرك داخل البيئة السياسية التي سمحت لها بالصعود سابقاً، بل تواجه اليوم شروطاً جديدة فرضتها التحولات الإقليمية، وتغير أولويات النظام الدولي، وتراجع مساحات الإدماج السياسي لصالح منطق الاحتواء أو الإقصاء.
وقد تناولت الدراسة في فصلها النظري الخلفية العامة لظهور حركات الإسلام السياسي، مؤكدة أن نشأتها لم تكن نتيجة خيار أيديولوجي معزول، بل جاءت استجابة لأزمات مركبة في الشرعية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. ويرى الباحث أن فهم مستقبل هذه الحركات لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي تشهدها بنية الدولة العربية، ولا عن إعادة تشكيل المجال العام في المنطقة، حيث أصبحت السياسة أكثر ميلاً إلى الضبط والإقصاء منها إلى إدارة التعدد والخلاف.
كما تطرقت الدراسة إلى الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجاً مركباً، إذ لم تكن حركات الإسلام السياسي فيها مجرد تيارات تنافس داخل دولة قائمة، بل نشأت في سياق تحرري يتداخل فيه العمل المقاوم مع السياسة والهوية الدينية مع الهوية الوطنية. وتوضح الدراسة أن هذا التداخل منح هذه الحركات قدرة كبيرة على التعبئة، لكنه في الوقت نفسه حمّلها أدواراً متناقضة يصعب استمرارها في ظل انسداد الأفق السياسي وتراجع المشروع الوطني.
وفي سياق تحليل التحولات الإقليمية، أشارت الدراسة إلى أن البيئة التي عملت فيها الحركات الإسلامية قبل عام 2011 اختلفت جذرياً عما بعدها. فصعود هذه الحركات عقب الانتفاضات العربية أعقبه مسار معاكس تمثل في إعادة إنتاج السلطوية بصيغ أكثر تشدداً، مدعومة بتوافقات إقليمية ودولية أعادت تعريف الإسلام السياسي باعتباره تهديداً أمنياً في بعض السياقات. وترى الدراسة أن هذا التحول لم يؤدِ إلى اختفاء هذه الحركات، بل إلى انتقالها من الفعل السياسي العلني إلى أشكال أكثر تعقيداً تجمع بين الحضور الاجتماعي والانكفاء السياسي.
وقد أكدت الدراسة أن تداعيات الصراع العربي–الإسرائيلي، ولا سيما ما شهدته المنطقة بعد العدوان على غزة، أسهمت في إعادة تشكيل موقع حركات الإسلام السياسي بين شرعية شعبية متجددة تستند إلى خطاب المقاومة، وبين قيود سياسية متزايدة تحد من قدرتها على العمل المؤسسي. وتخلص إلى أن مأزق الإسلام السياسي في فلسطين لا يعكس أزمة تيار بعينه بقدر ما يعكس أزمة أوسع تتعلق بمستقبل المشروع الوطني نفسه.
وفي فصلها الثالث، قدمت الدراسة قراءة استشرافية لعدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبل حركات الإسلام السياسي خلال المرحلة المقبلة. وتشمل هذه السيناريوهات احتمالات التحول إلى أحزاب سياسية، أو التعرض للحظر والمنع من العمل السياسي،أو الاجتثاث الكامل،أو إعادة التشكل ضمن اتجاهات إسلامية جديدة، أو الاندماج في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، أو العودة إلى المقاومة المسلحة في ظل انسداد الأفق السياسي. وأكد الباحث أن هذه السيناريوهات لا تمثل تنبؤات حتمية، بل أدوات تحليل لفهم اتجاهات التحول والكلفة السياسية والاجتماعية لكل مسار محتمل.
وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل حركات الإسلام السياسي لن يُحسم بقرار تنظيمي داخلي فقط، بل يتشكل عند تقاطع عوامل متعددة تشمل بنية النظام السياسي الفلسطيني، واستمرار الاحتلال، ومواقف الإقليم، وحسابات المجتمع الدولي، وتحولات المزاج الشعبي. وبذلك، فإن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت هذه الحركات ستختفي، بل حول الكيفية التي ستعيد من خلالها تعريف أدوارها وحدود حضورها في سياق سياسي يتسم بانسداد الأفق وتراجع منطق الإدماج.
وقدمت الدراسة في ختامها إطاراً تحليلياً يدعو إلى قراءة أكثر هدوءاً وواقعية لمستقبل الفعل السياسي في فلسطين، بعيداً عن سرديات الانتصار أو الأفول، مؤكدة أن مستقبل حركات الإسلام السياسي يرتبط في جوهره بمستقبل السياسة ذاتها في المنطقة، وبقدرة الفاعلين على إعادة صياغة العلاقة بين المقاومة والسلطة، وبين الشرعية الشعبية والشرعية المؤسسية، في لحظة تاريخية تتغير فيها قواعد اللعبة السياسية بسرعة غير مسبوقة.
وفي النهاية أشارت الدراسة ، بأنه على الرغم من كثرة التحليلات والدراسات التي تحاول استشراف مستقبل حركات الإسلام السياسي في فلسطين ،إلا أن الخيارات غير محسومة،حتى اللحظة،وأن الساحة الفلسطينية عصيّة على التنبؤ، ومفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها ضمن منطق السياسة التقليدية أو أدوات التحليل الأكاديمي. فالوضع الفلسطيني يشبه رمال الصحراء المتحركة، لا يستقر فيها شيء على حاله ، تتبدّل فيها التحالفات، وتتداخل فيها المسارات، وتتسارع فيها الأحداث على نحو يجعل الفهم الكامل للمشهد مهمة شبه مستحيلة. هذه الديناميكية الفائقة لا تعكس فقط هشاشة البنية السياسية الفلسطينية، بل أيضاً حجم التدخلات الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية التي تشكّل محركات خفية تؤثر في اتجاهات التطور السياسي والاجتماعي.
للاطلاع على الدراسة أضغط/ي على الرابط أدناه

