حملات "بيت مال القدس" الطبية تكسر العزلة وتنقل الرعاية الصحية إلى القرى النائية في القدس
في التجمعات البدوية والقرى النائية المحيطة بمدينة القدس، تغيب الخدمات الطبية أو تصبح بعيدة المنال، ليتحول الحصول على العلاج إلى تحدٍ يومي يواجهه السكان، سيما كبار السن والأطفال، في ظل صعوبة تجاوز الحواجز العسكرية وارتفاع تكاليف المواصلات وتعقيدات الوصول الميداني.
وتجسيداً لدورها الإنساني الراسخ وبدعم من المملكة المغربية، لم تنتظر وكالة بيت مال القدس الشريف وصول المرضى إليها مثقلين بمعاناتهم، بل بادرت إلى الوصول إليهم عبر حملات طبية مجانية شاملة أطلقتها منذ شهر رمضان المبارك ضمن برنامجها السنوي للمساعدات الإنسانية والاجتماعية.
وقد حطّت القوافل الطبية رحالها اليوم في قرية الشيخ سعد الواقعة جنوب شرق القدس، وهي القرية التي تختصر في واقعها حكاية العزلة المريرة؛ إذ يحيط بها جدار الفصل العنصري من كل جانب، ولا يتنفس سكانها البالغ عددهم نحو 3500 نسمة إلا عبر حاجز عسكري واحد يتحكم في تفاصيل حياتهم اليومية.
وشكّل وصول المختبر الطبي المتنقل والكادر الطبي المتخصص في مجالات الطب العام والباطني وطب الأطفال والعيون إلى القرية شريان حياة حقيقياً للأهالي، خاصة لمن يتعذر عليهم مغادرة القرية في ظل القيود التي تفرضها قوات الاحتلال على حركة المركبات واضطرار المواطنين للتنقل سيراً على الأقدام لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

رئيس مجلس قروي الشيخ سعد، جمال زعيتر، أكد أن إجراءات الاحتلال تعزل القرية وتحدّ من قدرة المواطنين على الوصول إلى المؤسسات الطبية داخل مدينة القدس، مما يجعل مثل هذه الحملات، خاصة الطبية منها، ضرورة قصوى لتعويض هذا النقص.
وأضاف زعيتر أن محدودية الخدمات الصحية في القرية تزيد من معاناة الأهالي، حيث لا توجد إلا عيادة طبية واحدة فقط يقتصر عملها على يوم واحد في الأسبوع نتيجة الظروف الصعبة التي تعيشها القرية، وهو ما لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات الناس.
وأشار إلى أن هذه الحملات تترك أثراً طيباً لدى المواطنين، معرباً عن أمله في أن تتكرر مستقبلاً وأن تتمكن الوكالة من توفير العلاج الدوائي إلى جانب الفحص والتشخيص.
وأعرب زعيتر عن تقديره العميق لوكالة بيت مال القدس الشريف، مشيداً بالدعم المغربي المستمر ووقوف المملكة المغربية ملكاً وحكومة وشعباً إلى جانب قضية الشعب الفلسطيني وتضامنهم الدائم مع أهالي القدس في قرية الشيخ سعد وغيرها.
من جانبه، أكد المواطن محمد موسى علّان أن هذه الحملة الطبية تحمل أهمية استثنائية للقرية التي تحولت إلى سجن كبير بفعل الحاجز العسكري، بُعد المسافة عن المراكز الطبية وصعوبة التنقل.
وأضاف أن وصول المؤسسات إلى القرية ليس أمراً سهلاً، لذلك يثمن الأهالي أي جهة تأتي لتقديم خدماتها، خاصة في ظل وجود عدد كبير من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، الذين يحتاجون إلى متابعة وفحوصات دورية مستمرة لا يكفي المستوصف الوحيد في المنطقة لتلبيتها.

وشدد المواطن جمال علّان على أن القرية بحاجة ماسة لمثل هذه المبادرات، مبيناً أن أي شخص يحتاج إلى العلاج يضطر للتوجه إلى بلدة العيزرية التي تبعد نحو عشرة كيلومترات، وهو ما يرافقه صعوبات جمة تتعلق بالمواصلات نتيجة معيقات الاحتلال والتكاليف المادية المرهقة.
من جانبها، أوضحت دارين جرادات من مختبرات "أسترا لاب" الشريكة في التنفيذ، أن هذه الحملات الطبية تستهدف جميع الفئات العمرية من أطفال ونساء ورجال وكبار سن، ويتم تكييف الخدمات المقدمة لتلبية احتياجات كل منطقة جغرافية نزورها.
وأضافت: "لا تقتصر خدماتنا على الكشف العام، بل تشمل تخصصات دقيقة كالباطنية والعيون والفحوصات المخبرية، إضافة إلى التنسيق الفوري لتحويل الحالات الحرجة التي تتطلب تدخلات جراحية أو متابعة تخصصية في المستشفيات".
وشددت على أن المناطق التي تستهدفها الحملات الطبية، بحاجة ماسة لاستمرارية وتكرار الزيارات لضمان تغطية أوسع وتقديم رعاية صحية مستدامة للأهالي.
ويكشف خط سير هذه الحملات منذ انطلاقتها عن رؤية استراتيجية واضحة تستهدف المناطق الأكثر تهميشاً، بدءاً من الخان الأحمر وتجمعات الجهالين والمنطار، وصولاً إلى جبع وحزما ورفات ومخيم قلنديا، وقرى شمال غرب القدس مثل قطنة وبدو والشيخ سعد.
وأسفرت الحملات الطبية المتواصلة عن استفادة نحو 1200 مواطن حتى الآن، بمتوسط 150 مستفيدًا في كل حملة، وشملت هذه الجهود إلى جانب تشخيص الحالات المرضية، تحويل 15 حالة إلى المستشفيات لاستكمال العلاج، ومن بينها حالات قلب مفتوح وقسطرة استدعت تدخلًا طبيًا عاجلًا.
ومن المقرر أن يتواصل تنفيذ برنامج الحملات الطبية ليصل إلى 24 حملة تغطي 31 منطقة، مع مراعاة دمج أكثر من منطقة ضمن الحملة الواحدة وفق الكثافة السكانية. كما يشمل البرنامج، في مراحله النهائية، تزويد المستفيدين-لا سيما الأطفال- بالنظارات الطبية بناءً على التقارير الطبية، إلى جانب توفير الأدوية اللازمة، بما يضمن استدامة الأثر الصحي لهذه المبادرات.


