الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:11 AM
الظهر 11:52 AM
العصر 2:48 PM
المغرب 5:15 PM
العشاء 6:33 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

قصص قصيرة

الكاتب: زكريا تامر

الفريسة

احترقت الغمامة والموسيقى، والورد ودمى الأطفال، فلم أجد مكانًا أختبئ فيه سوى نهر كثير المياه، وهناك عشت طوال سنوات وحيدًا مستسلمًا لطمأنينة غامضة، حتى جاء في أحد الأيام صياد هرم، فانتشلني بسنارته من قاع النهر، وحدق إلي باستغراب وأسف، وقال: (ظننت أنك سمكة).
فقلت له متصنعًا المرح: (لا تخطئ، فالإنسان أفضل وأروع من السمكة).
فنظر إلى الشمس الآفلة بعينين مجهدتين، وقال: (مساكين أولادي، سينامون الليلة دون أن يأكلوا).
فأحنيت رأسي بخجل، ثم قلت له: (كيف صدقت ما قلته لك? كنت أمزح فأنا سمكة).
قال الصياد: (ولكن الأسماك لا تتكلم).
قلت بصوت متهدج: (أنسيت أن البحر غني وأسماكه متنوعة? أنا سمكة من نوع غريب، تتكلم وتشبه الإنسان).
قال الصياد متسائلاً بفرح: (أتقول الصدق، أم ما زلت تمزح!).
فأجبت دون تردد: (سؤالك ساذج، فما الذي يرغمني على الكذب!).
فلم يفه الصياد بكلمة، وحملني إلى بيته وهو يلهث متعبًا، وهناك تولت زوجه تقطيعي بالسكين إلى قطع مختلفة الحجوم، ووضعتها في مقلاة ملأى بزيت يغلي، فلم أصرخ متوجعًا أو مستغيثًا، وبقيت في المقلاة حتى نضجت. عندئذ ابتدأ أولاد الصياد يأكلونني بنهم، فغمرتني البهجة، ولكني حزنت بعد قليل لأن الأولاد قالوا بتذمر وسخط إن لحمي سيئ الطعم على الرغم من أنهم استمروا في أكلي.
وازداد حزني عندما تنبهت إلى أني في يوم تال لابد عائد إلى جوف الأرض، وسأضطر آنذاك إلى العيش في الأماكن المظلمة القذرة حتى يتاح لي يومًا رؤية الشمس في جذور شجرة أو وردة .
سنضحك.. سنضحك كثيرًا

في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.
وفي يوم من الأيام، كانت السماء زرقاء لا تعبرها أي غيمة، فقصدنا أحد البساتين، فإذا رجال الشرطة يدهمون البستان بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنهم لم يوفقوا لأنّي تحوّلت غرابًا أسود اللون، دائم النعيب، وتحوّلت زوجتي شجرة خضراء، غزيرة الأغصان. وضحكنا كثيرًا من إخفاقهم.
وفي يوم من الأيام، تذمرت زوجتي من عملها في المطبخ، فذهبنا إلى أحد المطاعم، وما إن بدأنا نأكل حتى طوّق رجال الشرطة المطعم، واقتحموه عابسي الوجوه، وفتشوا عنّا تفتيشًا دقيقًا، ولم يجدونا لأنّي تحوّلت سكينًا، وتحوّلت زوجتي كأسًا من زجاج ملأى بالماء. وضحكنا كثيرًا لحظة غادروا المطعم قانطين.
وفي يوم من الأيام، كنّا نسير الهوينى في شارع عريض مزدحم بالناس والسيارات، نتفرج على ما في واجهات الدكاكين من سلع، فإذا رجال الشرطة يحتلّون الشارع، ويعتقلون المئات من الرجال والنساء، ولكنّهم لم يستطيعوا اعتقالنا لأنّي تحوّلت حائطًا، وتحوّلت زوجتي إعلانًا ملوّنًا ملصقًا بحائط. وضحكنا كثيرًا من غباوتهم.
وفي يوم من الأيام، ذهبنا إلى المقبرة لزيارة أمّي، فهاجم رجال الشرطة المقبرة، وقبضوا على أمّي، ولم ينجحوا في القبض علينا لأنّي تحوّلت كلمات رثاء مكتوبة بحبر أسود على شاهد قبر، وتحوّلت زوجتي باقة من الورد الذابل. وضحكنا كثيرًا من سذاجتهم.
وفي يوم من الأيام، هرعنا إلى المستشفى متلهفين، فزوجتي حامل في شهرها التاسع، وآن لها أن تلد. وما إن دنا فم طفلنا من ثدي أمه الطافح بالحليب حتى انقضّ رجال الشرطة على المستشفى، ولكنّهم عجزوا عن الاهتداء إلينا لأني تحوّلت رداءً أبيض وسخًا، وتحوّلت زوجتي مرآة خزانة خشبية ملأى بالثياب، وتحوّل طفلنا بوقًا لسيارة إسعاف مسرعة. وضحكنا كثيرًا من بلاهتهم، وسنظلّ نضحك .


المتهم

دخل شرطي بدين إلى المقبرة، ومشى بضع خطى مترددة بين الأضرحة البيض، ثم وقف حائرًا لحظة، صاح بعدها بصوت ممطوط: (عمر الخيام).
لم يجب أحد، فأخرج من جيبه منديلاً أبيض وسخًا، وتمخط في طياته ثم كوّره وأعاده إلى جيبه، وصاح بصوت حانق: (عمر الخيام.. عمر الخيام.. أنت مطلوب للمحاكمة).
فلم يجب أحد، فغادر الشرطي المقبرة عائدًا إلى مخفره، وهناك كتب تقريرًا وصف فيه ما حدث مؤكدًا أن عمر الخيام رفض حضور المحاكمة. وقدّم تقريره إلى رؤسائه الذين تجهمت وجوههم استنكارًا ودهشة، وبادروا إلى إصدار أوامرهم، فانطلق حالاً إلى المقبرة عدد من رجال الشرطة يحملون المعاول والرفوش، فنبشوا قبر عمر الخيام، وأخرجوه من تحت التراب متهدلاً مغبرًا مهترئ اللحم، وحملوه إلى قاعة المحكمة حيث مثل أمام القاضي.
ولقد قال القاضي بلهجة وديعة وقور: (أنت يا عمر الخيام متهم بكتابة شعر يمجد الخمرة ويدعو إلى شربها. وبما أن بلادنا تطمح إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وقوانينها تمنع استيراد البضائع الأجنبية، وبما أن بلادنا تفتقر إلى معامل تصنع الخمرة، فإن شِعرَك يُعَدُّ تحريضًا على المطالبة باستيراد البضائع الأجنبية، يعاقب عليه القانون دون هوادة، فهل تقرّ وتعترف بذنبك? لماذا لا تجيب? تكلم. السكوت مؤذ. حسنًا. سكوتك يدلّ على إنكارك للتهمة. إذن سنحاول الآن أن نعرف إن كنت بريئًا أو مذنبًا، فالعدالة هي غايتنا. أولاً.. من يكتب الشعر لا بد من أن يتقن الكتابة والقراءة. هل تجيد القراءة والكتابة? أنت تنكر?! إذن سنستدعي الشهود).
الشاهد الأول (صاحب مكتبة): (المتهم كان يشتري من مكتبتي كتبًا كثيرة العدد).
القاضي: (أي نوع من الكتب كان يشتري?).
الشاهد الأول: (كان يشتري كتبًا متنوعة الموضوعات، ولكنه كان يفضّل الكتب التي تتحدث عن الحب).
القاضي: (ها ها.. إذن كان يحب الكتب الجنسية! رحمة الله على الأخلاق الحميدة. قل لي: ألم يكن يشتري كتبًا سياسية).
الشاهد الأول: (الكتب السياسية?! أقسم أن يدي لم تمسَّ يومًا كتابًا سياسيا.. وربما كان يشتريها من مكتبة أخرى).
القاضي: (إذن كان يشتري كتبًا?!).
الشاهد الأول: (وكان يشتري أيضًا ورقًا أبيض وأقلامًا).
القاضي: (الله أكبر! لقد زهق الباطل وانتصر الحق. المتهم لو لم يكن يعرف القراءة والكتابة لما أنفق ماله على شراء الكتب والورق والأقلام).
الشاهد الثاني (امرأة هرمة): (كل ما أعرفه هو أن المتهم لا يحب سوى الكلمات. وقد أخبرتني امرأة كانت تحبه أنه اعترف لها أنه يحب الكلمات أكثر من حبه لأجمل امرأة في الدنيا).
القاضي: (يحب الكلمات?! يا له من شذوذ! المواطن الصالح يحب أمه والحكومة فقط).
الشاهد الثالث (صحفي): (اطلعت على أشعار المتهم، فوجدتها تخلو من أي مديح لمحاسن الحكومة).
القاضي: (هذا برهان قاطع على أن المتهم لا يحب الشعب).
الشاهد الرابع (رجل له لحية طويلة): (أقسم بالله أني سمعت بأذني اللتين سيأكلهما الدود بعد موتي، سمعت المتهم يقول: إن الخمرة تهزم الحزن).
القاضي: (هذا كلام يصبح خطيرًا جدّا إذا ثبت للمحكمة أن الحزن متفش بين الناس).
الشاهد الخامس (رئيس مخفر شرطة): (وردتنا تقارير كثيرة حول النشاط الهدام الذي يقوم به المدعو الحزن، ولكننا لم نتمكن حتى الآن من اعتقاله، ولا يزال البحث عنه جاريا).
الشاهد السابع (سجين): (الحزن أرغمني على شتم الحكومة).
الشاهد الثامن (سجين): (الحزن هو الذي دفعني إلى الاشتراك في تظاهرة).
الشاهد التاسع (سجين): (الحزن هو الذي حرّضني على أن أحاول الهرب من السجن).
الشاهد العاشر (سجين): (الحزن وحده جعلني أكره رجال الشرطة).
القاضي: (لقد أثبتت إفادات الشهود أن أشعار عمر الخيام ليست إلاّ دعاية صريحة للخمرة، ودعوة سافرة إلى استيراد البضائع الأجنبية، وتنفيذًا لمخطط مشبوه يهدف إلى إثارة الشغب. كما أن إفادات الشهود أثبتت أيضًا تعاون عمر الخيام مع الحزن الذي تبين للمحكمة أنه ليس سوى جاسوس من جواسيس الطابور الخامس، يستخدمه أعداؤنا من أجل تعكير الأمن وبثّ الاضطراب).
وسكت القاضي هنيهة متنهدًا بارتياح وغبطة، ثم استأنف كلامه، فحكم على عمر الخيام بمنعه من كتابة الأشعار منعًا باتّا.
وتولى رجال الشرطة نقل عمر الخيام إلى المقبرة، وأعادوه إلى حفرته، وأهالوا فوقه التراب بعد أن أتلفوا ما يملك من أوراق وأقلام. غير أن الحزن ظل طليقًا يتابع نشاطه الهدام .

 


المستشارون

كان عزمي الصفاد يجلس في المقبرة الملاصقة لحارته أكثر مما يجلس في بيته، وواجه الساخرين منه بردّ حاسم خلاصته أنّ كل رأس حرّ في اختيار المخدة التي تريحه، متسائلاً: (أيهما أحسن لي: أن أجلس في مقبرة أم أجلس في خمارة أو ملهى أو نادٍ للقمار).
وأتاح له جلوسه الدائم في المقبرة اكتساب ثقة الموتى المدفونين في تلك المقبرة ومودتهم واحترامهم، ولكنه لم يصادق إلاّ المرموقين لاعتقاده أنّ من يعاشر الفقراء ينتقل إليه قملهم.
صادق حمزة الركبة الذي كان مديرًا لبنك، ومات في السجن بعد أن ثبت أنّه اختلس الملايين، ولم يعثر على الملايين المنهوبة، فنال احترام السجناء والسجانين حتى آخر رمق في حياته.
صادق رشيد نصر الذي يملك بيوتًا ودكاكين وأراضي بعدد شعر رأسه، ولم يكن أصلع بل كان كثيف الشعر. واشتهر بحبه للزواج، يطلق ويتزوج ويطلق ويتزوج، والنساء أكثر من رمال الصحاري، والعمر قصير، والسرعة مطلوبة إذا كانت الغاية الاستيلاء على كل النساء بالحلال.
صادق كريم المقل الذي تبوأ الكثير من المناصب المهمة، وآخر منصب له هو وزير للمالية، فشاع في عهده الزعم بأن الوزير مختلف عن كل الناس قاطبة، فبزته ذات جيوب لا نهاية لها سرية وعلنية، والجيوب السرية مهما امتلأت، فستظل جيوب أخرى فارغة تطالب بإلحاح أن تمتلئ كغيرها من الجيوب المحظوظة. وعندما توفي بالسكتة القلبية المفاجئة، نُكست الأعلام، وعُدَّ شهيدًا من شهداء الوطن ودعامة من دعائمه الاقتصادية انهارت ولا تعوض.
صادق نذير البهلول الذي كان يقتل الناس بسهولة كأن الدم مجرد ماء، ولكنه لاقى مصرعه في مشاجرة تافهة، فقيل آنذاك القول الذي شاع وانتشر، وهو أن الذبابة تدمي مقلة الأسد.
صادق عميد الحلو الذي كان كاتبًا مشهورًا، وزع على الوجهاء والأعيان وذوي النفوذ قائمة بأسعار مدائحه وأهاجيه لا تقبل المناقشة والمفاوضة والمساومة، فكل حرف له ثمن، والقاف ثمنها ليس كثمن الياء. ومات من دون أن يثبت أنه كتب مرة كنوع من الصدقة أو الزكاة. لا يكتب إلاّ إذا قبض سلفًا، أما الوعود بالدفع، فيقابلها بوعود بالكتابة لا أقل ولا أكثر.
صادق جليل العياث الذي كان يحاول اختراع قنبلة من نوع غير مألوف، تبيد الملايين وتجلب له الثروات الطائلة، فانفجر ما كان يحاول اختراعه، وحوّله قطعًا صغيرة من اللحم لا تُرى إلاّ تحت مجهر.
صادق دلال العضاض التي كانت حياتها عواصف متتالية من الفضائح، فقد اتهمت يومًا بإغراء الزوجات الشريفات بتأجير أجسادهن، واتهمت في يوم آخر بإنشاء شبكة دعارة سرية تضم طالبات ما زلن على مقاعد الدراسة، فنجت من كل اتهام، وحافظت على رأسها مرفوعًا وسمعتها عطرة، وظلت سلعها لا تُنافس وتحظى بالرواج والإعجاب والاحترام. وعندما ماتت ذرفت العيون الدموع السخية، وعوملت ذكراها باحترام وخشوع كأنّها رابعة العدوية.
وتطوع هؤلاء الأصدقاء السبعة بأن يعملوا لدى عزمي الصفاد مستشارين بغير راتب، فرحب بتطوعهم. وكانت نصيحتهم الأولى له هي أن زمان جلوسه في المقابر آن له أن ينتهي حتى لا ينظر إليه على أنه غريب الأطوار، ويروّج لشائعات تشكك في سلامة قواه العقلية. وعندما همَّ بالاعتراض والتحدث عن وفائه لأصدقائه، أخبروه أنهم سيرافقونه أينما كان.
وهكذا خرج عزمي الصفاد إلى ساحات الحياة اليومية مزودًا بسبعة مستشارين ذوي كفاءة وخبرة ونضج ودهاء، فوثب من نجاح إلى نجاح حتى صار الرجل الأول في بلده مالاً ونفوذًا وجاهًا، يأمر فيطاع. وكان أول أمر من أوامره يحظر الجلوس في المقابر .

 

صامتون

التقى زهير صبري امرأة تشبه زهرة حمراء على غصن أخضر، فخبّرته بصوت مرتعش أنها تحبّه ولن تستطيع أن تحبّ غيره. فقال لها إنه لا يهتم إلاّ بمستقبله، فبوغت بصفعة مؤلمة تنهال على رقبته، فتلفت حوله، ولم ير الصافع.
وصُفع ثانية عندما قال لأحد الأثرياء إنه أعظم رجل أنجبته البلاد، ولم يرَ الصافع.
وصُفع مرة ثالثة عندما قبَّل بخشوع يد رجل ذي لحية طويلة مشعثة، ورجاه أن يدعو له، ولم يرَ الصافع.
وصُفع زهير صبري كثيرًا وفي كل يوم، من دون أن يرى الصافع المجهول. ولم يكلّم أحدًا عن تلك الصفعات السرية حتى لا يسخر منه ويتهم بالجنون، ولكنّه كان واثقًا بأنّ الناس أجمعين يصفعون مثلما يصفع ويلوذون بالصمت .
مختصر ما حدث

حُكم على خليل حاوي بالإعدام، فحدّق إلى السماء متعجّبًا من لونها الأزرق الذي لم يتحوّل لونًا أسود. وشُنق ثلاث مرات، فكان الحبل في كلّ مرة يتمزّق على الرغم من أنّ جسمه هزيل وعنقه نحيل. ووقف مشدود القامة مغمورًا بضياء الشمس، بينما كان سبعة رجال يسددون فوهات بنادقهم نحوه، ويطلقون النار عليه، فلا تمسه أي رصاصة من رصاصهم كأنّهم كانوا عميانًا، أو كأنّه كان يبعد عنهم أميالاً. وقُذف إلى نار قادرة على إحراق مدينة بكاملها، وانتظرت عيونهم الشامتة رؤية رماده، ولكنّه خرج من النار سليمًا يسعل سعال منْ دخن سيجارة من نوع رديء، ولم يجد مهربًا من الانتحار حتى يثبت أنّه الناجح وهم المخفقون .

Loading...