الخلع القضائي
بقلم: القاضي ناصر القرم، عضو محمكة الإستئناف الشرعية
تعريف الخلع :
في اللغة:الخلع بضم الخاء وسكون العين ، جاء في المصباح المنير : خالعت المرأة زوجها مخالعة ، اذا افتدت منه وطلقها على الفدية ، والخلع : هو استعارة من خلع اللباس لان كل واحد من الزوجين لباس للاخر، قال تعالى:{هن لباس لكم و انتم لباس لهن}.
اما في الاصطلاح الفقهي : فان تعريفه يدور بشكل مختصر على انه طلاق بعوض ،وهذا التعريف من الفقه المالكي.
اصل مشروعيته:
ان مشروعية الخلع قد جاءت من الكتاب والسنة واقوال الفقهاء،اما الكتاب،فمن قول الله تعالى:{فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}.
واما مشروعيته من السنة النبوية الشريفة، فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس (رضي الله عنهما)،ان امرأة ثابت ابن قيس اتت النبي(صلى الله عليه وسلم) فقالت:يا رسول الله:ان زوجي ما اعتب عليه ولا اعيب عليه في خلق ولا دين،ولكن اكره الكفر في الاسلام، فقال (صلى الله عليه وسلم):(اتردين عليه حديقته)؟ فقالت: نعم، فقال لزوجها (صلى الله عليه وسلم) : (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).
ان الكفر في الاسلام الذي اشارت اليه زوجة ثابت ابن قيس في الحديث المرقوم ،هو كفر العشير اي عشرة الزوج والخشية من عدم ادائها لحقوق زوجها ، وليس الكفر الصريح.
اسباب اعتماد العمل بالخلع القضائي في المحاكم الشرعية:
1-ان القانون المطبق في الاحوال الشخصية في جميع المحاكم الشرعية منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية هو قانون الاحوال الشخصية الاردني رقم 61/76 واستمر العمل به بموجب المرسوم الصادر عن السلطة الوطنية الفلسطينية رقم 91/94 وقد طرأ عدة تعديلات على القانون الاردني بسبب احتياجات العصر ،ومتطلبات الوضع الاجتماعي والاسري ، والتحديات التي طرأت على المنطقة العربية،وبقي القانون في محاكمنا الشرعية على حاله ، ولم يطرأ عليه اي تعديل او تغيير وذلك بسبب تعطل انعقاد المجلس التشريعي بسبب حالة الانقسام التي القت بظلالها على جميع نواحي الحياة ، وشتى مظاهرها،ونسأل المولى عز وجل ان لا تطول الفرقة والانقسام ، كي تعود الوحدة والوئام لوطننا و قلوبنا.
2- من خلال مراقبة اعمال المحاكم الشرعية وتقارير التفتيش القضائي ، والشكاوى التي تصل للجهات المسؤولة في القضاء الشرعي ، لوحظ انه يوجد عدد من القضايا العالقة والمزمنة في المحاكم الشرعية تخص شريحة معينة من اخواتنا و بناتنا ، ولا يوجد لها اي افق للحل والخلاص، مما يعني وقوع الضرر على مثل هؤلاء ، مما يؤدي الى الابتزاز واثارة الاحقاد والفتن ، مما يهدد العلاقات الاسرية والنسيج الاجتماعي ،وظلم النفوس واكل اموال الناس بالباطل،والله تعالى يقول:{ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا،من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}.
اما بخصوص اكل اموال الناس بالباطل فقد قال الله تعالى محذرا لنا عن هذا الفعل:{ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون}.
فكان لابد من ايجاد ملاذ آمن ومخرج لهذه القضايا العالقة ،وبعد ان دق ناقوس الخطر ، وانه لامجال للانتظار والتعامي عن مثل هذه الحالات ، فقام المجلس الاعلى للقضاء الشرعي برئاسة سماحة الشيخ يوسف دعيس بدعوة المجلس للانعقاد واخذ زمام المبادرة ، وبعد التشاور والتداول مع اعضاء المحكمة العليا الشرعية ومحكمة الاستئناف الشرعية بهيأتيها ، وأعضاء المكتب الفني للوقوف امام هذه الظاهرة ، حتى استقر رأي الجميع بعد دراسة جميع الآراء ومعاينتها بروية وهدوء واستنفذت بحثا ومناقشة ، ومن اجل مصلحة مجتمعنا ولتحقيق المزيد من العدالة في محاكمنا توافق الجميع وبتأييد من قضاة المحاكم الشرعية الابتدائية على اتخاذ هذه الخطوة الجريئة لضبط الامور ووضعها في نصابها الصحيح ومن اجل المحافظة على الاسرة الفلسطينية وحماية نسيجها الاجتماعي، فكان القرار الجريء هو العمل بقانون الخلع القضائي منذ 1/9/2012م .
3- من الجدير بالذكر ان قانون اللاحوال الشخصية المعمول به والمطبق في المحاكم الشرعية قد اشتمل على الخلع القضائي وذلك في احد عشر مادة منه وهي من المادة 102 ولغاية 112 .
4- وان مما يؤيد العمل بالخلع القضائي بالاضافة لماذكر ان المادة (183)من قانون الاحوال الشخصية قد نصت على انه ما لاذكر له في القانون فيرجع في الى الراجح من المذهب الحنفي ، وهذا الذي عليه العمل في المحاكم الشرعية كالظهار واللعان والايلاء وغيرها.
5- على الرغم من قلة عدد القضايا التي سجلت في المحاكم الشرعية خلال الشهور الاربعة الماضية من عام 2012م الا ان التغذية الراجعة والتداعيات التي ترتبت على العمل بهذا القانون كان لها اثرا ايجابيا على كثير من الحالات ،حيث معظم الحالات يتم فيها تدارك الامور من قبل الخصوم انفسهم ، والبحث عن اقرب طريق للحل قبل ان تصل الدعوى لاروقة المحاكم ، وتتحول الدوى الى اتفاق رضائي مما سهل عمل المحاكم في كثير من القضايا ، ويقتصر عملها على تسجيل حجة طلاق مقابل الابراء العام،وذلك بتضافر جهود دائرة الاصلاح والارشاد الاسري في كثير من الحالات .

