"قضايا في المواطنة" برعاية "REFORM"
الانتخابات المحلية في ظل صعود الهويات الضيقة على حساب الشباب والقوى السياسية
تناول برنامج "قضايا في المواطنة" الذي يُبث عبر شبكة "رايــة" الإعلامية، في حلقة جديدة بعنوان (الانتخابات المحلية في ظل صعود الهويات الضيقة على حساب الشباب والقوى السياسية)، واقع التشكيلات الانتخابية ذات الطابع العشائري، وانعكاساتها على الحياة السياسية الفلسطينية، ودور الأحزاب، إضافة إلى أثرها على مشاركة الشباب والنساء، في مرحلة سياسية واجتماعية بالغة التعقيد.
وشارك في الحلقة كل من د. عمر رحّال، مدير مركز «شمس» لحقوق الإنسان، ورتيبة النتشة، عضو المكتب السياسي لحزب «فدا»، حيث قدّما قراءتين متكاملتين، وإن اختلفتا في زوايا النظر، لطبيعة هذا التحول في بنية الانتخابات المحلية.
العائلة في صلب الانتخابات المحلية
في حديثه، أوضح د. عمر رحّال أن سلوك الناخب الفلسطيني يختلف باختلاف نوع الانتخابات، مشيرًا إلى أن الانتخابات المحلية تتأثر بشكل مباشر بالبنية الاجتماعية العائلية والعشائرية، بخلاف الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.
ولفت إلى أن المجتمع الفلسطيني، كغيره من المجتمعات العربية، ما زال مجتمعًا محافظًا تُشكّل فيه العائلة الممتدة جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية.
وبيّن رحّال أن تجاهل دور العائلة في الانتخابات المحلية، خاصة في القرى والبلدات الصغيرة، أمر غير ممكن، نظرًا لما تملكه العائلات من مخزون أصوات والتزام داخلي، وهو ما يدفع الأحزاب السياسية، أسوة بالأحزاب في مختلف دول العالم، إلى التحالف مع العائلات لضمان التمثيل في المجالس البلدية والقروية.
وأشار إلى أن كثيرًا من أبناء العائلات ينتمون أصلًا إلى أطر وتنظيمات سياسية، لافتًا إلى توصيف شائع يرى في الفصائل الفلسطينية «قبائل سياسية»، ما يجعل التداخل بين الانتماء العائلي والتنظيمي أمرًا طبيعيًا.
وأضاف أن من يفوزون عبر قوائم عائلية غالبًا ما يعودون لاحقًا إلى الالتزام بخط الحزب أو الفصيل الذي ينتمون إليه، أكثر من التزامهم بالخطاب العائلي الضيق.
العشائرية.. نقيض المواطنة
من جهتها، أكدت رتيبة النتشة أن التحالف بين الأحزاب السياسية والعائلات ليس جديدًا، إنما هو ظاهرة تاريخية، خصوصًا في المجالس القروية والمجالس المحلية الصغيرة، موضحة أن الطابع العائلي يخفّ كلما اتجهنا نحو المدن والمجالس الأكبر، حيث يبرز البعد الحزبي والبرامجي بشكل أوضح.
غير أن النتشة عبّرت عن مخاوف حقيقية من تعاظم نفوذ العشائرية على حساب المواطنة، معتبرة أن العشائرية تشكّل نقيضًا مباشرًا لمفهوم المواطنة المتساوية، إذ تمنح الامتيازات بناءً على الحجم والنفوذ الاجتماعي لا على أساس الاستحقاق والكفاءة.
وأشارت إلى أن هذا التماهي المتزايد بين العائلة والانتخابات جاء أيضًا على حساب الأحزاب السياسية، وأسهم في إضعافها، خاصة في ظل التعديلات الأخيرة على قوانين الانتخابات، التي – بحسب رأيها – كرّست الواقع القائم وأقصت عددًا كبيرًا من الأحزاب، وعزّزت الطابع العائلي للانتخابات.
وحذّرت النتشة من أن تشجيع العشائرية يتقاطع مع مشاريع إسرائيلية خطيرة، تهدف إلى تفكيك القضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضايا خدماتية محلية، عبر إحياء نماذج شبيهة بـ«روابط القرى»، بما يهدد البعد الوطني الجامع ويضعف الأجندة السياسية الفلسطينية.
بين التمثيل وإعادة إنتاج التقليدي
وفي معرض حديثه عن أثر التشكيلات العشائرية على الحياة السياسية، شدّد د. رحّال على أن العائلة الفلسطينية تاريخيًا لم تكن فاعلًا سياسيًا مستقلًا، باستثناء فترات تاريخية محددة خلال الانتداب البريطاني، حين استُخدمت الخلافات العائلية ضمن سياسة «فرّق تسد».
وبيّن أن الثورة الفلسطينية، وتأسيس منظمة التحرير، أسهما في تقدّم الفصائل على حساب العائلة، مؤكدًا أن النظام السياسي الفلسطيني لا يعيّن المسؤولين على أساس انتمائهم العائلي، بل الحزبي والتنظيمي، حتى وإن كانوا أبناء عائلات كبيرة ووازنة.
ومع ذلك، أقرّ رحّال بأن التنافس العائلي حاضر بقوة في الانتخابات المحلية، خاصة في القرى وبعض المدن، حيث تلعب الوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا النكايات العائلية، دورًا في تشكيل القوائم، مشددًا في الوقت ذاته على عدم تعميم هذه الصورة على جميع الهيئات المحلية.
الأحزاب بين التكيّف والمساومة
وعن تأثير هذه التشكيلات على دور الأحزاب السياسية، رأت رتيبة النتشة أن العائلية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأحزاب على المنافسة والتمثيل، لا سيما في ظل تراجع الانتماء الحزبي، حيث لا تتجاوز نسبة المنتمين للأحزاب الفلسطينية، بحسب تقديرها، 14% من المجتمع.
وأشارت إلى أن أطرافًا أخرى غير الأحزاب الوطنية باتت تحاول استقطاب العائلات، مستغلة ضعف التنظيمات السياسية وتراجع دورها التعبوي، ما يفتح الباب أمام مخاطر سياسية واجتماعية، من بينها تهميش الشباب والنساء، وتعزيز أنماط أبوية تقليدية في الحكم المحلي.
وأكدت أن التحالف مع العائلات غالبًا ما يفرض على الأحزاب تنازلات في القضايا الاجتماعية، لا سيما فيما يتعلق بتمثيل النساء والشباب، معتبرة أن القوائم الحزبية الصرفة كانت ستمنح فرصًا أوسع لهذه الفئات مقارنة بالقوائم العائلية.
الشباب.. بين التهميش والاستغلال
وفي محور الشباب، أشار د. عمر رحّال إلى أن الشباب الفلسطينيين ظلوا تاريخيًا الفئة الأكثر تهميشًا في مواقع صنع القرار، إلى جانب النساء، رغم أن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي. واستشهد بإحصاءات رسمية تُظهر أن أقل من 1% من الشباب والنساء شاركوا تاريخيًا في صنع القرار.
وانتقد رحّال ثقافة مجتمعية وقانونية ما زالت تنظر إلى الشباب نظرة قاصرة، مؤكدًا أن بعض القوى تستخدم الشباب كمخزون انتخابي وأدوات دعاية، دون تمكينهم فعليًا من مواقع التأثير.
وفي المقابل، أشار إلى وجود نماذج شبابية واعدة نجحت في قيادة بعض الهيئات المحلية، خاصة في البلديات المصنفة «ب» و«ج»، داعيًا الأحزاب إلى الانفتاح الجاد على الشباب، والاستثمار في طاقاتهم ورؤاهم.
القانون والتوعية.. بوابة الإصلاح
وفي حديثها عن آفاق الإصلاح، شددت رتيبة النتشة على أن قانون الانتخابات يشكّل الأداة الأسرع لإحداث التغيير المجتمعي، غير أن التعديلات الأخيرة – وفق رأيها – تمثل تراجعًا بدلًا من تقدم.
وأكدت أن مسؤولية التغيير لا تقع على القانون وحده، إنما على عاتق الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال برامج توعوية مستمرة لا تقتصر على موسم الانتخابات.
ودعت إلى استعادة الدور التثقيفي والتعبوي للأحزاب كما كان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وربط التنمية الاجتماعية بالأهداف السياسية والوطنية، باعتبار ذلك مسارًا بطيئًا لكنه أكثر رسوخًا في تغيير القيم المجتمعية.
المجتمع المدني ودوره المرتقب
وفي ختام الحلقة، أكد د. عمر رحّال أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز التصويت على أساس البرامج لا الانتماءات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات، رغم التحديات، ما زالت تلعب دورًا محوريًا في التوعية وبناء القدرات، خاصة في ظل النظام الانتخابي الجديد القائم على القائمة المفتوحة والانتخاب الفردي في المجالس القروية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب حضورًا ميدانيًا أكبر للمؤسسات المدنية، لتثقيف المواطنين حول آليات الاقتراع، وضمان مشاركة أوسع وأكثر وعيًا في العملية الانتخابية.
وبرنامج "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة "REFORM" ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.
فيما يلي الحلقة كاملة: اضغط هنا أو هنا

